
كاميرا البيان/رياض الغربي

في سهرة استثنائية اختلط فيها الحنين بالإحساس، عادت الفنانة اللبنانية إليسا مساء السبت 15 أوت 2026 إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج، ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بعد غياب طويل حيث كان آخر حفل لها بالمهرجان سنة 2009… عودة انتظرها جمهورها التونسي طويلاً، فجاء الموعد بحجم الانتظار، بل تجاوزته جماهيرياً وفنياً.
منذ الساعات الأولى للسهرة، بدت ملامح الموعد مختلفة. جمهور غفير توافد إلى المسرح الأثري، في مشهد أكد أن اسم إليسا ظل حاضراً في الذاكرة الجماعية لجمهور قرطاج رغم سنوات الغياب. ومع اقتراب موعد الصعود إلى الركح، ازدادت كثافة الحضور، وتحولت محيطات المسرح إلى فضاء نابض بالحماس والترقب، في واحدة من أكثر السهرات جماهيرية خلال هذه الدورة.
وحين ظهرت إليسا على ركح قرطاج، لم يكن الأمر مجرد عودة فنانة إلى مسرح اعتلته قبل سنوات، بل كان أشبه باستئناف حوار قديم مع جمهور لم ينسَ أغانيها ولا اللحظات التي صنعتها في هذا الفضاء. استقبال صاخب رافق دخولها، قبل أن تنطلق السهرة مع أغنيتها «كل يوم في عمري»، لتفتح بعدها صفحات من أرشيفها الفني الذي رافق أجيالاً من المستمعين.
من «عايشالك» إلى «فاكر» و«لو تعرفوه» وغيرها من الأعمال التي رسخت مكانة إليسا في المشهد الغنائي العربي، بدا الجمهور شريكاً فعلياً في الحفل. لم تكن الأغاني تؤدى من فوق الخشبة فقط، بل كانت تعود من المدرجات في شكل أصوات جماعية، وكأن آلاف الحناجر قررت أن تستعيد مع إليسا سنوات كاملة من الذكريات.
وكان لافتاً أن الجمهور لم يكتفِ بالاستماع، بل رافق الفنانة في معظم محطات السهرة بالغناء والتصفيق والهتافات، في تفاعل بلغ ذروته مع الأغاني الأكثر رسوخاً في الذاكرة. حتى بعض اللحظات الأكثر عاطفية، مثل أداء «فاكر»، حملت شحنة وجدانية قوية، وانعكست على إليسا نفسها التي تأثرت خلال أدائها.
ولم تخلُ السهرة من لحظات استحضار للذاكرة اللبنانية والعربية، إذ اختارت إليسا أن تقدم لجمهورها التونسي بعضاً من أعمال السيدة فيروز، من بينها «سهر الليالي» و«نسم علينا الهوا»، في تحية فنية أضفت على الحفل بعداً طربياً ووجدانياً خاصاً.
أما العلاقة بين إليسا وجمهورها التونسي، فقد بدت طوال السهرة واحدة من أبرز أبطال الحفل. فبعد 17 سنة من الغياب، أثبتت السهرة أن المسافة الزمنية لم تستطع أن تقلل من حضور الفنانة في وجدان جمهورها. بل ربما زادت سنوات الانتظار من قيمة اللقاء، وجعلت العودة أكثر شحنة بالعاطفة والاحتفال.
ولعل المشهد الجماهيري كان العنوان الأوضح لهذه العلاقة. فقد تجاوز الإقبال على الحفل طاقة استيعاب المسرح لتتحول عودة إليسا إلى حدث جماهيري لافت في الدورة الستين.
وبين أغنية وأخرى، كانت إليسا تستعيد مع الجمهور سنوات من مسيرتها، فيما كان الجمهور يستعيد معها أغنيات أصبحت جزءاً من ذاكرته العاطفية. هكذا بدت سهرة قرطاج أقرب إلى لقاء بين الماضي والحاضر، بين فنانة غابت طويلاً ومسرح ظل يحتفظ بمكان لها في ذاكرته.
وقد اختزلت إليسا معنى العودة عندما عبّرت بعد الحفل عن سعادتها بلقاء جمهورها التونسي، مؤكدة أن الغناء على ركح قرطاج لا يشبه أي حفل آخر، وأن علاقة الحب بينها وبين الجمهور التونسي متبادلة.
في النهاية، لم تكن ليلة إليسا في قرطاج مجرد حفل غنائي ضمن برنامج الدورة الستين، بل كانت عودة مؤجلة تحولت إلى احتفال جماهيري كبير. سبعة عشر عاماً من الغياب انتهت في ليلة واحدة، ليلة غنت فيها إليسا، وغنى معها الجمهور، وتكلمت فيها الذاكرة بلغة الأغنية… حتى بدا أن ركح قرطاج لم يكن يتسع لكل هذا الحب.










