
كاميرا البيان/رياض الغربي

في ليلة تزامنت مع الاحتفال بعيد المرأة التونسية 13 أوت 2026،، تحولت سهرة الفنانة نبيهة كراولي ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي إلى موعد تجاوز حدود العرض الموسيقي، ليصبح احتفاء بالمرأة والهوية والذاكرة الوطنية، في مشهد امتزجت فيه الموسيقى بالوجدان، واستعاد فيه ركح قرطاج الأثري إحدى أكثر صفحاته رمزية.
وقبل انطلاق الحفل، ازدانت الشاشة العملاقة بأسماء نساء تونسيات تركن بصماتهن في مختلف المجالات، بعضهن رحلن وبقي أثرهن، وأخريات ما زلن يواصلن صناعة الحضور والإبداع، في لفتة احتفت بالمرأة بوصفها شريكة في بناء الوطن وصناعة تاريخه.
وبحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، ووزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، ورئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، وعدد من الشخصيات الرسمية والثقافية، اعتلت نبيهة كراولي الركح، حاملة تجربة فنية امتدت لعقود، جعلت من الأغنية التونسية فضاء للهوية والذاكرة، أكثر منها مجرد مساحة للطرب.
واختارت الفنانة أن تبدأ سهرتها بكلمات مؤثرة وجهتها إلى المرأة التونسية، قبل أن تنطلق في الغناء، فوجدت عباراتها صدى واسعا في مدارج المسرح التي قابلتها بالتصفيق والهتاف، في لحظة جسدت العلاقة الخاصة التي تربطها بجمهورها.
ولم يكن اختيار نبيهة كراولي لإحياء سهرة عيد المرأة اعتباطيا، فهي من الأصوات التي ارتبط مشروعها الفني بإحياء التراث الموسيقي التونسي وإعادة تقديمه بروح معاصرة، مع الحفاظ على أصالته. فمن الجنوب التونسي استمدت كثيرا من ملامح تجربتها الموسيقية واللغوية، ومن تكوينها الأكاديمي وسعت آفاق التأليف والتوزيع والأداء، لتصنع شخصية فنية تجمع بين الأصالة والتجديد.
وعلى امتداد الحفل، حضرت المرأة في الأغنية بوصفها أما وابنة وحبيبة ومناضلة، لكنها حضرت أيضا باعتبارها صوتا قادرا على التعبير عن ذاته، وتحويل الذاكرة والألم إلى موقف إنساني وفني. فلطالما شكلت القضايا الاجتماعية والإنسانية جزءا من رؤية نبيهة كراولي لدور الفنان، وهو ما انعكس في اختياراتها الموسيقية التي منحت النصوص بعدا يتجاوز معناها المباشر.
وبمرافقة الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو خالد بن عيسى، اكتسبت الأغاني بعدا جديدا، حيث التقت الحكايات الفردية بالذاكرة الجماعية، وتحولت الأغنية إلى مساحة للتأمل واستحضار مسيرة المرأة التونسية وما حققته من مكاسب، وما تزال تواجهه من تحديات.

وفي واحدة من أكثر لحظات السهرة تأثيرا، علا صوت نبيهة كراولي وهي تؤدي أغنية “بلادي”، بمشاركة كورال سيدي سامي، فتحول ركح قرطاج إلى فضاء وطني جامع، التقت فيه الأجيال حول أغنية اختزلت مشاعر الانتماء والاعتزاز بتونس.
كما شهد الحفل لحظة استثنائية عندما قدمت للمرة الأولى على الركح أغنية “مازالت يا ليام”، إلى جانب أغنية “يما” التي كتبتها قبل وفاة والدتها، فجاء أداؤها مشحونا بالشجن والحنين، ليمنح الاحتفال بعيد المرأة بعدا إنسانيا مؤثرا، جعل الأم حاضرة في الوجدان كما هي حاضرة في الأغنية.
وتنقلت الفنانة بين أعمالها القديمة والجديدة، محافظة على ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الماضي بالحاضر، مؤكدة أن الأغنية التونسية قادرة على التجدد دون أن تتخلى عن جذورها، وأن التراث ليس مادة جامدة، بل ذاكرة حية تستعيد حضورها كلما وجدت من يمنحها صوتا جديدا.
ولعل أبرز ما ميز السهرة تلك الكيمياء الواضحة بين نبيهة كراولي وجمهورها، إذ بدا الحفل وكأنه لقاء بين ذاكرة امرأة وذاكرة وطن، وبين فنانة جعلت من الفن موقفا، وجمهور وجد في أغانيها مساحة للتعبير عن الحنين والانتماء.
وهكذا، لم يكن حضور نبيهة كراولي في عيد المرأة مجرد مشاركة فنية ضمن برنامج مهرجان قرطاج، بل كان احتفاء بالأغنية التونسية نفسها، وبالمرأة التي حفظت هذا التراث، وكتبته، وألهمته، وغنته عبر الأجيال.
وفي زمن تميل فيه الأغنية إلى الإيقاع السريع والاستهلاك العابر، اختارت نبيهة كراولي أن تمنح الكلمة وقتها، والصوت عمقه، واللحن امتداده، مؤكدة أن الفن الحقيقي يظل قادرا على صون الذاكرة وصناعة المعنى.
وعلى ركح قرطاج، بدا الاحتفاء بعيد المرأة أقل خطابية وأكثر صدقا، حين تحولت الأغنية إلى لغة للوفاء، والحنين إلى قوة، والصوت إلى مرآة لذاكرة تونس التي لا تزال تنبض في وجدان نسائها.






