
فرض منتخب إسبانيا شخصيته منذ الدقائق الأولى ونجح في السيطرة على إيقاع اللعب، ليُظهر عجز منتخب فرنسا، الذي بدا تائها بصورة واضحة، لينتصر (2-0) ويؤكد أحقيته ببلوغ نهائي كأس العالم 2026 بعد أداء اتسم بالثقة والانضباط والتفوق في معظم تفاصيل المباراة.
عجز المنتخب الفرنسي عن مجاراة النسق الإسباني سواء على مستوى الاستحواذ أو صناعة الفرص، إذ افتقد “الديكة” للحلول الهجومية، بينما بدا الفريق مفككًا في الناحيتين الدفاعية والهجومية، وهو ما منح الماتادور أفضلية واضحة انعكست على سير المباراة ونتيجتها.
ولم يحتج المنتخب الإسباني إلى بذل مجهود استثنائي لحسم المواجهة، بعدما نجح في فرض أسلوبه وإغلاق المساحات أمام مفاتيح لعب فرنسا، ليخرج بانتصار مستحق أكد من خلاله أنه أحد أبرز المرشحين للتتويج باللقب، بعدما واصل عروضه القوية في الأدوار الإقصائية.
بهذا الفوز، حجز المنتخب الإسباني مقعده في المباراة النهائية المقرر إقامتها يوم الأحد المقبل، حيث ينتظر الفائز من مواجهة إنقلترا والأرجنتين في نصف النهائي الآخر، بينما سيضطر المنتخب الفرنسي لخوض مباراة تحديد المركز الثالث بعد نهاية مشواره في البطولة.
تألق إسباني
بدأ الشوط الأول باستحواذ منتخب إسبانيا على الكرة، ونجح في تدويرها بثقة بين لاعبي خط الوسط، بينما تراجع المنتخب الفرنسي إلى مناطقه الدفاعية مع محاولة الاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة مستغلًا سرعة الرباعي كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي وبرادلي باركولا ومايكل أوليسي.
لكن الخطة الفرنسية لم تحقق أهدافها، بعدما قدم خط وسط إسبانيا مباراة كبيرة على المستوى التكتيكي، إذ نجح في السيطرة على منطقة المناورات وقطع خطوط التمرير مبكرًا، كما أفسد كل محاولات فرنسا للانطلاق في المساحات، ليحرم الرباعي الهجومي من استغلال سرعته أو تشكيل أي خطورة حقيقية على المرمى الإسباني.
في المقابل، واصل لاعبو الماتادور الضغط وصناعة الفرص على فترات، مع تنوع الهجمات بين العمق والأطراف، حتى جاءت اللقطة الحاسمة عندما ارتكب لوكاس ديني خطأً داخل منطقة الجزاء بعرقلة لامين يامال، ليحتسب الحكم ركلة جزاء منحت إسبانيا أفضلية مستحقة.
ونجح ميكيل أويارزابال في ترجمة ركلة الجزاء إلى هدف أول، وهو الهدف الذي زاد من ارتباك المنتخب الفرنسي، إذ بدت علامات التوتر واضحة على لاعبيه، بينما ظهر الفريق عاجزًا عن مجاراة النسق الإسباني أو استعادة زمام المبادرة، لينتهي الشوط الأول تحت سيطرة كاملة للماتادور الذي فرض أسلوبه في كل تفاصيل المباراة.
إصابة ساليبا.. وضياع أوليسي
بعد الهدف الأول، تلقى المنتخب الفرنسي ضربة جديدة زادت من تعقيد مهمته، بعدما تعرض ويليام ساليبا للإصابة وغادر أرضية الملعب، ليدفع الجهاز الفني بماكسينس لاكروا بدلًا منه. ولم يكن التغيير مجرد تبديل اضطراري، بل حرم فرنسا من أحد أهم عناصرها في عملية بناء اللعب والخروج بالكرة من المناطق الدفاعية.
ويمتلك ساليبا قدرة كبيرة على كسر خطوط الضغط بتمريراته وتحركاته، إلى جانب صلابته في المواجهات الفردية وقيادته للخط الخلفي، لذلك افتقد المنتخب الفرنسي الكثير من التوازن بعد خروجه، وأصبح بناء الهجمات أكثر بطئًا وسهولة بالنسبة للضغط الإسباني.
لكن الضربة الحقيقية لم تكن الإصابة، وإنما اختفاء مايكل أوليسي تمامًا عن المشهد، فالعقل المدبر للهجوم الفرنسي طوال مشوار الديكة في البطولة وجد نفسه محاصرًا من وسط إسبانيا، إذ أغلق رودري وفابيان رويز جميع المساحات أمامه، ومنعاه من استلام الكرة في المناطق التي يجيد صناعة الفارق منها.
وفشل أوليسي في منح فرنسا السيطرة على وسط الملعب أو صناعة الفرص كما فعل في المباريات السابقة، وبدا معزولًا تمامًا عن زملائه، ليقرر الجهاز الفني استبداله في الدقيقة 72 والدفع بريان شرقي، في اعتراف واضح بأن النجم الفرنسي لم ينجح في فك الشفرة الدفاعية التي فرضها المنتخب الإسباني.
ديشامب لم يجد الحلول

مع بداية الشوط الثاني، حاول ديدييه ديشامب مدرب منتخب فرنسا إنقاذ الموقف بعدما أدرك عجز فريقه عن مجاراة إيقاع المنتخب الإسباني خلال أول 45 دقيقة، فأجرى تبديلًا مبكرًا بالدفع بمانو كونيه بدلًا من أدريان رابيو، على أمل منح خط الوسط المزيد من الحيوية والقدرة على مواجهة الضغط الإسباني، خاصة أن لاعب روما قدم مستويات مميزة خلال مشوار فرنسا في البطولة.
لكن هذا التغيير لم يحقق الهدف المطلوب، إذ استمرت المباراة على نفس السيناريو الذي كان في الشوط الأول، مع سيطرة كاملة لإسبانيا على الكرة، وعجز فرنسي عن افتكاك الاستحواذ أو بناء هجمات منظمة، ليبقى المنتخب الإسباني الطرف الأكثر خطورة وسيطرة على مجريات اللقاء.
وجاءت الدقيقة 58 لتقضي عمليًا على آمال الديوك، بعدما نجح بيدرو بورو في تسجيل الهدف الثاني للماتادور، بصناعة رائعة من داني أولمو، ليترجم التفوق الإسباني المستمر إلى أفضلية أكثر أمانًا على لوحة النتيجة، ويضع المنتخب الفرنسي في موقف بالغ الصعوبة أمام منافس يملك أفضلية فنية وذهنية واضحة.
وبعد الهدف الثاني، تحولت المباراة إلى استعراض إسباني في السيطرة على الكرة، إذ تناقل لاعبو الماتادور التمريرات بثقة كبيرة، بينما بدت علامات التوتر والاستسلام واضحة على لاعبي فرنسا الذين شعروا بأن الهزيمة أصبحت وشيكة.
وما يؤكد ذلك أن المنتخب الفرنسي فشل طوال الشوطين في تهديد مرمى أوناي سيمون بأي فرصة حقيقية، ليخرج من المباراة بأداء هجومي هو الأضعف له في البطولة.
ذكاء دي لا فوينتي

واصل لويس دي لا فوينتي مدرب إسبانيا تأكيد تفوقه التكتيكي على ديدييه ديشامب، بعدما حقق انتصاره الثالث على التوالي أمام المدرب الفرنسي في البطولات الكبرى، عقب الفوز في نصف نهائي كأس الأمم الأوروبية (2-1)، ثم نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية (5-4)، وأخيرًا نصف نهائي كأس العالم.
ونجح المدير الفني للماتادور في قيادة إسبانيا إلى المباراة النهائية عن جدارة واستحقاق، بعدما تفوق على منافسه في قراءة المباراة وإدارة تفاصيلها منذ الدقيقة الأولى وحتى صافرة النهاية مرورا بالتبديلات التي حافظت على النسق الإسباني.
ولم يلتفت دي لا فوينتي إلى الانتقادات قبل اللقاء بسبب الإبقاء على بيدري على مقاعد البدلاء، في ظل تراجع حالته البدنية، وفضل الاعتماد على فابيان رويز إلى جانب رودري في وسط الملعب، وهو القرار الذي أثبت نجاحه بصورة كاملة، فقد سيطر الثنائي على منطقة المناورات، وأغلقا العمق تمامًا أمام لاعبي فرنسا، ليحرما الديوك من بناء الهجمات أو الوصول إلى الثلث الأخير بالشكل المعتاد.
ولم تتوقف بصمة المدرب الإسباني عند السيطرة على وسط الملعب، بل امتدت إلى المنظومة الدفاعية بأكملها، إذ نجح في بناء فريق يدافع كوحدة واحدة دون الاعتماد على الرباعي الخلفي أو ثنائي الارتكاز فقط، وكانت المسافات بين الخطوط مثالية، مع ضغط جماعي واسترجاع سريع للكرة، ليخرج المنتخب الفرنسي دون تسجيل أي هدف لأول مرة في النسخة الحالية من كأس العالم.
وظهر الالتزام التكتيكي واضحًا في جميع عناصر المنتخب الإسباني، إذ لم يتردد لامين يامال في العودة مرارًا لمساندة بيدرو بورو دفاعيًا وإيقاف محاولات فرنسا من الجبهة اليسرى، في مشهد يعكس الروح الجماعية التي زرعها دي لا فوينتي داخل الفريق، وكانت هذه المنظومة المتكاملة، التي تدافع وتهاجم ككتلة واحدة، السبب الأبرز وراء التفوق الإسباني المستحق وحجز بطاقة التأهل إلى نهائي المونديال.
ولم تقتصر عوامل التفوق الإسباني على المنظومة الدفاعية أو الانضباط التكتيكي، بل كان الحارس أوناي سيمون أحد أبرز أسباب هذا النجاح بفضل قراءته المميزة للمباراة.
فقد لعب حارس الماتادور دور “الليبرو” خلف خط الدفاع، وتقدم باستمرار خارج منطقة جزائه لقطع الكرات الطويلة التي حاولت فرنسا الاعتماد عليها للهروب من الضغط الإسباني، كما خرج في أكثر من مناسبة بالتوقيت المثالي لإبعاد الكرات قبل وصولها إلى مبابي ليؤكد أن تفوق إسبانيا كان نتاج منظومة متكاملة، بدأها دي لا فوينتي من الخطط، وأنهاها سيمون بأداء هادئ وحاسم بين الخشبات الثلاث.
