ألبيان / من أحمد مخلوف

هيرفي رينارد

لم يكن السقوط المدوي لنسور قرطاج أمام السويد بخماسية مذلة لهدف مجرد خسارة عابرة بل كان فضيحة تكتيكية مكتملة الأركان، أثارت غضب الشارع الرياضي التونسي. أطلقت هذه الهزيمة النكراء التي دخلت التاريخ كأثقل إندحار تونسي في كؤوس العالم، رصاصة الرحمة على شرعية الجهاز الفني وعرت واقع منتخب بلا هوية وبلا روح وبلا قائد داخل المستطيل الأخضر.
وفي تحرك دراماتيكي متسارع لإمتصاص بركان الغضب الجماهيري حسمت الجامعة التونسية لكرة القدم أمرها وقررت بتر العضو الفاسد وذلك بإقالة صبري اللموشي فورا والإستنجاد بالخببر وصائد الكبار الفرنسي “هيرفي رينارد ” ليتولى قيادة سفينة المنتخب الوطني في أصعب فترات تاريخها الكروي.

إنتحار تكتيكي: خطيئة اللموشي التي تجاوزت حدود الغباء الكروي..
الشارع التونسي والفنيون والمحللون لا يتحدثون اليوم عن قوة المنافس -السويد- بل عن “إنتحار فني” معلن قاده صبري اللموشي بعناد غريب وغير مبرر، إذ لم يتعظ الرجل من الدرس القاسي والمهين في ودية بلجيكا التي إنتهت بنفس النتيجة الكارثية، حيث أصر بصلف على تكرار ذات الخطإ، خط دفاع متقدم ومهلهل، مساحات شاسعة مستباحة وغياب تام لإفتكاك الكرة في وسط الميدان .
اللموشي لم يفشل فقط في قراءة المباراة بل بدا عاجزا ومكبلا على دكة البدلاء يشاهد إنهيار منظومته دون أي تدخل جريء، بما جعل إستمراره على راس المنتخب بمثابة جريمة في حق كرة القدم التونسية عجّلت الجامعة بإيقافها.

لغز الشامخ: إصرار أعمى على حارس بلا خبرة فجرّ كارثة..
ولم تتوقف أخطاء اللموشي عند الرسم الفني والتكتيكي الفاشل، بل إمتدت لتشمل لغزا ٱثار ريبة المتابعين وهو التمسك الأعمى بالحارس الشاب عبد المهيب الشامخ أساسيا رغم تلقيه خماسية كاملة وهزات نفسية عنيفة في ودية بلجيكا… المدرب صبري اللموشي تذرع واهيا برغبته في حماية الحارس “نفسيا” وعدم “حرقه” مبررا ذلك بأرقامه في البطولة التونسية مع النادي الإفريقي، لكنه تناسى تماما الفجوة المرعبة بين نسق البطولة المحلية والنسق المونديالي العالي، ودفع المنتخب ثمن هذا العناد غاليا إذ نزل الشامخ إلى الميدان أمام منتخب “السويد” مكبلا بضغوط ودية بروكسال فاقدا للثقة في النفس وبلا أي ردة فعل حاسمة أمام هجوم “السويد ” ليتحول من مشروع حارس مرمي واعد إلى ضحية لعناد فني إفتقر لأدنى درجات الواقعية وينتهي به المطاف پأسوإ تقييم لحارس مرمى في المونديال الحالي.

صدمة إيجابية: هيرفي رينارد في مهمة إنتحارية بشروط صارمة..
الجامعة التونسية لكرة القدم لم تخير “المسكنات” هذه المرة بل ذهبت مباشرة إلى خيار ثقيل قادر على إحداث “الصدمة النفسية والتكتيكية” المطلوبة إذ تم البارحة ورسميا الإتفاق مع الفرنسي هيرفي رينارد – المدرب الأسبق لمنتخبات المغرب و السعودية وزامبيا وصاحب الصولات المونديالية الشهيرة – للإشراف الفوري على المنتخب خلال مباراتي اليابان وهولندا القادمتين.
الإتفاق جاء ذكيا وصارما من جانب الجامعة التونسية لكرة القدم حيث ستقود “المحرقة المونديالية” الحالية لتحديد مستقبل المدرب “هيرفي رينارد” على ضوء نتيجتي هاتين المباراتين ومدى قدرة هذا الأخير على إعادة الهيبة للنسور سولء لفتح باب التفاوض الرسمي للتعاقد معه بعقد طويل الأمد أو الإكتفاء بهذه التجربة القصيرة.

أسلحة “الثعلب ” لقلب الطاولة ونثر “الڨرينتا”
المراهنة على المدرب رينارد في هذا التوقيت الحرج نابعة من إمتلاك هذا الفني لـ”بروفايل” فني وتكتيكي ونفسي فريد يجعله “رجل المهام الصعبة” في المسابقات القصيرة، ويصنف “هيرفي رينارد”كأحد أفضل مدربي العالم في التأثير النفسي. فخطاباته الحماسية الأسطورية قادرة على تحويل لاعبين محبطين إلى مقاتلين شرسين وعلى نقيض إنتحار اللموشي فنيا وتكتيكيا يبني رينارد أسلوبه على تقارب الخطوط، الكثافة العددية والكتلة الدفاعية المدمجة التي تمنع المنافسين الكبار ك”هولاندا” من إيجاد مساحات خلف المدافعين.

الخبير الكروي وصائد العمالقة..
كما يمتلك هذا الفني العالمي شخصية لا تهاب الأسماء الكبيرة، وقد سبق له الإطاحة بأرجنتين “ميسي ” في المونديال كما أنه يفهم عقلية اللاعب العربي والإفريقي جيدا بحكم تجاربه الناجحة مع المغرب والسعودية وزامبيا، كما يحرص هذا الفني العالمي على فرض إنضباط صارم وحديدي، فالنجومية والاسماء لا تهمه بقدر الجاهزية والقتالية على الميدان مما يفتح الباب لإعادة الغربلة وضخ دماء جديدة في المنتخب .

الكرة الٱن بين مخالب ” الثعلب”..
إن التخلص من اللموشي والإستنجاد “بهيرفي رينارد” هو طوق النجاة الوحيد المتاح حاليا، والشارع التونسي لن يرضى بالخروج المخزي من كأس العالم، وأرضية الميدان أمام هولاندا ستكشف سريعا إن كان “الثعلب” قادرا على إعادة صياغة المعجزة وضمان مقعده الدائم على رأس الإدارة الفنية للمنتخب أم أن جرح خماسية السويد أعمق من تغيير المدربين… النسور تحت الإختبار فأما إنتفاضة كبرياء أو خروج من أضيق الأبواب.