
البيان/ احمد مخلوف
في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى فعاليات “مونديال 2026” تعيش كرة القدم التونسية صدمة غياب تاريخي وكامل لصافرتها عن هذا المحفل الرياضي العالمي. غياب لم يقتصر على حكام الساحة فحسب بل إمتد ليشمل الحكام المساعدين وحكام تقنية الفيديو “الفار”. هذا الإحتجاب المونديالي ليس وليد الصدفة بل هو المرٱة الحقيقية لٱزمات حارقة وهيكلية تنهش جسد التحكيم التونسي منذ سنوات وسط مطالب شعبية ورسمية بضرورة المرور إلى مرحلة التطهير الشامل.
فشل في الإختبارات الدولية وكواليس محلية محتقنة
تعود الأسباب المباشرة لإستبعاد الحكام التونسيين من قوائم “الفيفا” إلى الإخفاق الفني والبدني المباشر في إجتياز الندوات والتربصات التأهيلية الصارمة التي أقيمت في الدوحة ودبي، لكن الأسباب الأعمق تكمن في الداخل حيث عاش ولايزال قطاع التحكيم في تونس على وقع تخبط إداري متتال وصراعات مصالح ضيقة أفقدت الحكم التونسي جاهزيته الذهنية ونزاهته المفترضة أمام تصاعد حدة المنافسة العربية والإفريقية.
زمن العمالقة: عندما كانت “الصافرة التونسية” تصنع ربيع المونديال..


هذا الواقع البائس يبعث على الحسرة والألم عندما نلتفت إلى الوراء ونستحضر “زمن التحكيم التونسي الجميل”… عصر الجيل الذهبي والرجالات الذين حفروا أسماءهم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة الإفريقية والعالمية. لقد كان الحكم التونسي قامة تهاب في الملاعب وعنونا للنزاهة والشخصية الحديدية التي لا تنحني لضغط رئيس ناد ولا لتهديد جمهور.. من ينسى هيبة الحكم الدولي القدير “علي بن ناصر” الذي أدار وبإقتدار ومسؤولية تاريخية قمة ربع نهائي مونديال “المكسيك 1986” بين الأرجنتين وأنقلترا ودخل التاريخ كشاهد على “أسطورة مارادونا”… ومن ينسى الحازم ناجي الجويني الذي مثل تونس في “مونديالي 1990و1994 وكان مدرسة في فرض الانضباط على الميدان، وصولا إلى قامات تحكيمية فذة مثل مراد الدعمي والراحل العيساوي بودبوس والحكم المساعد والمتألق بشير بلاغة وغيرهم كثر ممن كانوا العملة الصعبة في نهائيات كأس أمم إفريقيا والمحافل الدولية… هؤلاء العمالقة لم تكن تحميهم تقنية “الفار” ولا تقنيات الفيديو بل كانت تحميهم “شخصيتهم الفذة” ونظافة اليد والصافرة والضمير المهني الحي وهي الميزات التي تبخرت مع جيل اليوم من الحكام.

مواسم ” الماتشوات” الموجهة وفضائح “الفار” ..
لم يكن الموسمان المنقضيان (2024-2025و2025-2026) سوى تأكيد مستمر على التراجع المخيف، إذ تحولت الملاعب التونسية إلى ساحات للإحتجاجات اليومية والبيانات النارية الصادرة عن كبرى الأندية التونسية كالترجي الرياضي التونسي و النادي الإفريقي والنادي الرياضي الصفاقسي والنجم الرياضي الساحلي وغيرها… وجاءت فقرات “المافيولا التحكيمية” لتكشف المستور واضحة أخطاء، وصفت بـ”غير البريئة” لخدمة نواد بعينها على حساب أخرى، وما زاد الطين بلة التخبط الكارثي في إدارة تقنية الفيديو والتي شهدت في فترات معينة تعطلا كاملا دام لأسابيع فضلا عن شبهات “حجب زوايا تصوير حاسمة” لتوجيه قرارات الحكام وهو ما دفع الادارة الوطنية للتحكيم للإعتراف الضمني بالخلل وعزل حكام دوليين دفعة واحدة.
نهاية تجربة “الحيمودي” والمطالبة بـ”المستقل”..
هذا ورغم محاولات الإصلاح والتعاقد مع الخبير الجزائري جمال الحيمودي كمشرف عام إلا أن تجربته إنتهت رسميا بنهاية موسم 2025/2026 دون تحقيق النقلة الإيجابية المرجوة… الحيمودي نفسه واجه معاتبات قاسية بسبب سياسة “العقوبات السرية في الغرف المغلقة” و”تعيينات اللحظات الأخيرة” المشبوهة رغم إعترافه بصعوبة الأجواء ووصفه لمحيط التحكيم التونسي بـ”تلغابة التي تعج بالذئاب”
وأمام هذا الواقع المرير أجمع الملاحظون والشارع الرياضي على أن الحل لم يعد يكمن في “المسكنات” المؤقتة أو التعيينات المسقطة بل في ضرورة البحث عن مسؤول أول لإدارة التحكيم يكون مستقلا تماما وخارجا عن “المنظومة الخفية ” وكواليس الأندية المحلية
الإستعانة بالخبرات الأجنبية طوق النجاة الأخير..
أصبحت الضرورة تقتضي اليوم إستغلال الجامعة التونسية لكرة القدم لقدراتها المالية واللوجستية من أجل جلب خبراء وحكام أجانب متقاعدين من النخبة الأوروبية أو العالمية لإشهار سيف التطهير والمحاسبة الفورية وتفعيل إستراتيجية تكوين علمية حديثة لتقنية “الفار”.
إن قطع حبال المصالح وتأمين الحصانة المادية والمعنوية للحكام الشبان وفرض الشفافية المطلقة عبر نشر تقارير وتصنيفات الحكام علنا هي الخطوات الملموسة الوحيدة الكفيلة بإعادة الهيبة والعدالة المفقودة للصافرة التونسية وبناء جيل جديد من الحكام الأكفاء يعيد راية التحكيم التونسي إلى مونديال 2030 الذي ستحتضنه المغرب.
