“كان لزاما على القارئ لترصٌد مناخات ما تيسٌر من إيحاءات فنٌية ورشاقة اللمسة الإبداعية التي صاغتها بافتتان الرسامة ثروة الهنتاتي في مجمل لوحاتها أن تنرٌر مقتطفا من حكمتها الشخصية لصنع بصمتها التشكيلية فتردٌد قائلة :”حين نمسك بفرشاتنا، لا نُقلّد، بل نُحاور… نُضيف منّا، ونُكمل الحكاية التي بدأت قبلنا محاكاة روح فن المعمار العربي ونبض الذكريات أبدأ من حيث انتهى الكبار، لتصل إلى حيث لم يصل أحد. .. هي شطحات خطية باهرة تخاتل ألوانا جريئة لم ترها من قبل”


1 ذاكرة الأمكنة وبهارات الموروث العمراني
تتفاخر الرسامة ثروة الهنتاتي بلوحاتها الزيتية المنفذة بتقنية السكين، حيث يتحول اللون إلى لغة تحكي دفء المكان وبهجة التفاصيل. كل ضربة سكين تضيف حركة وعمقاً، فتبدو البيوت كأنها تعيش وتتنفس في خضمٌ هذا الانفجار اللوني و التداخل التشكيلي الذي يبني مسارا إبداعيا استثنائيا يأتي على المحافظة على الخصوصيات و صيانة الموروث التاريخي و الحضاري عاكسة حرصا لا مثيل له في التشبٌث بالمتخلٌد المعماري الثريٌ و تعزيز الذاكرة الشعبيٌة..
2 زيتونة السلام لغة العالم و رمز الوئام
ثم وبتؤدة تتوجٌه بنا الفنانة التشكيلية ثروة الهنتاتي إلى لوحتها الرمزيٌة المدهشة”زيتونة السلام” ليمثل نواجدها في مسار تجربة الرسامة ثروة الهنتاتي، أكثر من مجرد شجرة؛ بل تجتاز المفهوم المادي المتداول لتقتحم زاوية أكثر مفاهيميا وتستقيم رمزا للأرض والوطن، حيث تلتقي ألوان الباستيل الهادئة في تناغم مع السماء الزرقاء الصافية، بينما تضفي ضلال الجذوع البعيدة عمقًا وشعورًا بالاتصال المستمر بين الماضي والحاضر. لتعبر بتلك السمات نحو تجذرها في قاموس كونيٌ جامع لتتكلٌم بلغة العالم الجامعة وتقتحم مناخات الوعي الجماعي بقدرة الرسم والفن التشكيلي على نحت رؤية موحدة تجمع ولا تفرٌق .

ثم تعلو أنامل الفنانة الراقية ثروة الهنتاتي نحو جغرافيا الأمكنة وسحرها اللافت بلوحة زيتية على القماش عنونتها بـ”مراكش، المدينة الحمراء” ممتزجة ببهارات زرقاء بطعم “ماجوريل”: وهو اللون المستوحى من حديقة ماجوريل تُثير درجاته النابضة بالحياة والغنية مشاعر السفر والترحال والأيام المشمسة الدافئة للون الأحمر الجميل الذي طبع مناخ دفء المغرب وفتنتها المخصوصة.
3 لوحة ” سمفونية” تكوين ذاتي و حوارية واعية مستلهمة من الرسام عادل مقديش
أثار العمل الفني “سمفونية ” لصاحبته الفنانة التشكيلية ثروة الهنتاتي العديد من التساؤلات والتعاليق وبعض الجدل العقيم ثم أسالت حبرا كثيرا حاد عن الموضوعية و اصطبغ بالمحسوبية الضيقة نظرا لوجه الشبه الذي رافق عمل الفنانة ثروة الهنتاتي بأحد لوحات الرسام التونسي الراحل عادل مقديش، و الحال أنه لو أعاد هذا الأخير عمله لن يفلح في إعادته بنفس التفاصيل. لذا وكفٌا لحملة التشكيك التي رافقت “سنفونية” الرسامة ثروة و إلجاما لنعيق المتطفلين على الفنون التشكيلية و الصيادين في الماء العكر، تفيدنا ثروة الهنتاتي بالشهادة التالية حول مقاصدها قائلة : ” الفن لم يتطور يومًا بالقطيعة مع من سبق، بل بالحوار معهم. لذلك فإن استلهامي لعمل الفنان الكبير عادل مقديش رحمه الله لا يعني نسخه، وإنما قد يكون إعادة قراءة له، أو استكمالًا لرؤية من منظور آخر، وبإحساس مختلف، وبصياغة تشكيلية جديدة.
أعتبر اللوحة إبداع لأن الفرق بين النسخ والإبداع لا يُحسم بتشابه الموضوع، وإنما بالحلول التشكيلية التي أقدمها وهي واضحة وجلية في العمل. وفي نفس السياق أفيدكم أنٌ من يختزل العمل الفني في تشابه الموضوع، يتجاهل أحد أهم أسس الفن التشكيلي: ألا وهو التكوين (La composition). فالقيمة الفنية لا تكمن في الفكرة وحدها، بل في كيفية بنائها بصريًا، وفي العلاقات بين العناصر، والإيقاع، والكتل، والفراغ، واللون، والملمس، والضوء، وهي العناصر التي تمنح كل فنان هويته الخاصة”

4 سيرة برقية للفنانة ثروة الهنتاتي:
فنانة تشكيلية تونسية
– أستاذة رياضيات
– حاصلة على الأستاذية في الرياضيات من جامعة العلوم بتونس. تتمحور تجربتها الفنية حول البحث في العلاقة بين الفن والرياضيات، من خلال توظيف الهندسة والمنظور والانسجام اللوني وتقنيات الوسائط المختلطة، في أعمال تجمع بين الدقة العلمية والرؤية الإبداعية
– لها عديد المشاركات والإسهامات الإبداعية وطنيا و عالميا
– كانت لها مشاركة مميزة في جويلية 2026 في الملتقى التركي العربي الدولي الثامن بمدينة اسطنبول.
جلال باباي


