إعداد: داليا عريان ـ  باحثة في المركز الأوروبي ECCI

يواجه النظام العالمي في التوقيت الراهن، مرحلة شديدة الصعوبة، حيث تحمل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحديات جسيمة، خاصة وأن وتيرة الهجمات تتزايد، في ظل ضبابية المشهد حول أهداف الحرب، واحتمالية توسعها وانضمام أطراف أخرى للصراع، وغياب احتمالية العودة إلى التفاوض بدلًا من التصعيد العسكري. وفي الوقت نفسه يعد رد الفعل الإيراني على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، باستهداف دول بالشرق الأوسط، نقطة تحول في التوترات بين واشنطن وتل أبيب وطهران من ناحية، وفي العلاقات بين إيران ودول المنطقة من ناحية أخرى، الأمر الذي قد يؤدي إلى متغيرات سياسية واقتصادية على الساحة الدولية الفترة المقبلة.

سيناريو التصعيد الشامل

توسع الحرب إقليميًا: تمر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بمراحل متعددة، بدأت المرحلة الأولى بضربات أمريكية إسرائيلية جوية مفاجئة على مدن إيرانية، ومنشآت ومواقع صواريخ باليستية، ومنظومات رادار، بطائرات قاذفة (B-2, B-52) وصواريخ “توماهوك” و”هيمارس”، في 28 فبراير 2026، ما أدى لمقتل عدد من القادة الإيرانيين، على رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي. جاء الرد الإيراني، في 1 مارس 2026، بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، على أهداف أمريكية وإسرائيلية بالمنطقة، لترد إسرائيل بموجة ضربات جديدة على إيران. وأعلن الحرس الثوري الإيراني، في 2 مارس 2026، إغلاق مضيق هرمز.

دخلت الحرب المرحلة الثانية في الفترة (3-8 مارس 2026)، بتعميق الضربات، لتعلن وكالة الطاقة الذرية عن أضرار بمبنى منشأة نطنز الإيرانية النووية. ووفقًا للتقديرات الأمريكية تم استهداف (2000) هدف إيراني، وواصلت إيران استهداف البنية التحتية النفطية والقواعد العسكرية الأمريكية بالخليج. اتجهت المواجهات إلى تصعيد أوسع، بتلويح الحرس الثوري الإيراني، في 11 مارس 2026، إلى استخدام صواريخ تطلق من تحت الماء، وسرعتها (100) متر/الثانية. وفي 12 مارس 2026، وفي بيانه الأول بعد توليه منصب المرشد الإيراني، قال مجتبى خامنئي، “في حال استمرار الوضع الحربي، سيتم تفعيل جبهات لا يملك العدو خبرة فيها”.  كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 13 مارس 2026، عن نشر البنتاغون وحدة استطلاع من مشاة البحرية بالمنطقة، تتكون من نحو (2500) من مشاة البحرية والبحارة. وأعلن الجيش الأمريكي، في 14 مارس 2026، إرسال (10) آلاف طائرة مسيرة اعتراضية للمنطقة، للتصدي للهجمات الإيرانية، دون استنزاف أنظمة الدفاع الصاروخي.

دخلت المرحلة الثالثة للحرب، في الفترة (8-14 مارس 2026)، بتوسع دائرة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على مراكز أبحاث إيران، واستهداف إيران لقواعد بريطانية في الخليج ومدن إسرائيلية. أعلن مسؤولون أمريكيون، في 13 مارس 2026، تعرض (5) طائرات تابعة لسلاح الجو الأمريكي، للتزود بالوقود، لأضرار على الأرض في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية. وقبلها بيوم قُتل (6) جنود أمريكيين جراء تحطم طائرة للتزود بالوقود بالعراق. دخلت المواجهات المرحلة الرابعة “تكسير العظام”، في الفترة (15 -21 مارس 2026)، باستمرار الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على منصات الصواريخ، ومنشآت تصنيع المسيرات، واغتيال قيادات إيرانية في مقدمتهم، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد الباسيج غلام رضا سليماني، ووزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب. واصلت إيران الهجمات على البنية التحتية المدنية والعسكرية بدول المنطقة وإسرائيل. واستهدفت إسرائيل حقل “بارس” لإنتاج الغاز على السواحل الجنوبية، ومثل هذا تصعيدًا خطيرًا، نظرًا لأن قطر تتشارك مع إيران في الحقل، وتضاربت الأنباء حول مشاركة واشنطن في الهجوم. شنت إيران هجومًا صاروخيًا على مدينة “راس لفان” الصناعية بقطر، التي تعد موقعًا استراتيجيًا للاقتصاد العالمي، بجانب حقول نفط وغاز في السعودية والإمارات والكويت.

وقد حذرت إيران من أن أي هجوم على البنية التحتية للنفط والطاقة، سيؤدي لشن هجمات على البنية التحتية للطاقة المملوكة، لشركات النفط المتعاونة مع واشنطن بالمنطقة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدمير أهدافًا عسكرية في جزيرة خرج، مركز النفط الرئيسي بإيران، فهي تعد محطة لتصدير (90%) من شحنات النفط الإيرانية. وصف ترامب، هذه الغارات بالأقوى بالشرق الأوسط، ملوحًا بإمكانية استهداف البنية التحتية النفطية بالجزيرة، في حال عرقلت إيران الملاحة بمضيق هرمز.

يتفق راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية بكلية مدينة نيويورك، ودانيال ر. ديبيتريس، زميل في منظمة “أولويات الدفاع”، على أن الحرب إقليمية، لمهاجمة إيران دول بالمنطقة، على أمل أن تضغط هذه الدول على ترامب لوقف الهجمات، موضحين أن ترامب أشار إلى أن الخطر سيواجه بلاده وحلفائها، إذا تمكنت إيران من صنع قنابل نووية، رغم تقديم إيران تنازلات كبيرة في المحادثات، بخفض تخصيب اليورانيوم لأفل من (3.67%)، والسماح للمفتشين النوويين الدوليين بالعودة للبلاد بصلاحيات رقابية كاملة، وعدم تخصيب يورانيوم مخصب. يرى الباحثان، أنه كان من الممكن الاكتفاء بهذه المفاوضات، ليعلن ترامب انتصارًا على إيران، لكن هدفه بات إسقاط النظام الإيراني، ما يدفع طهران لتكثيف هجماتها والتصعيد في مضيق هرمز.

تدخل قوى دولية: غادرت السفينة الحربية البريطانية “دراجون”، في 11 مارس 2026، إلى شرق البحر المتوسط، بعد تعرض قاعدة جوية بريطانية في قبرص، لهجوم بطائرة مسيرة. ووافقت بريطانيا على طلب الولايات المتحدة، لاستخدام قواعدها في قبرص، لشن ضربات ضد إيران. أعلن الطيران الحربي البريطاني، في 15 مارس 2026، تنفيذ طلعات جوية دفاعية لحماية مصالح بلاده بالشرق الأوسط. أسقطت قوات الناتو، في 13 مارس 2026، صاروخًا إيرانيًا في المجال الجوي التركي، في ثالث حادثة من نوعها عقب اندلاع الحرب. وأفاد مسؤولون فرنسيون وعراقيون، بمقتل جندي فرنسي، وجرح (6) آخرون، في هجوم مسيرة على قاعدة عسكرية بإقليم كردستان العراق. هذا الحادث يأتي بالتزامن مع تحذيرات لمجموعات مسلحة تابعة لإيران، بشأن استهداف المصالح الفرنسية، عقب إرسال فرنسا حاملة الطائرات النووية “شارل ديغول” للشرق الأوسط، و(10) قطع بحرية تشمل (8) فرقاطات وسفينتين هجوميتين. قال رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي، في 14 مارس 2026، إن أوكرانيا أصبحت هدفًا مشروعًا، لمزاعم انخراطها في الحرب وتزويد إسرائيل بالمسيرات. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في 17 مارس 2026، إن هناك أكثر من (200) خبير أوكراني بالشرق الأوسط، للاستفادة من خبرة أوكرانيا القتالية، في التصدي للمسيرات الإيرانية.

 تهديد الاستقرار العالمي: يرى رئيس مجلس العلاقات الخارجية مايكل فرومان، أن الولايات المتحدة تورطت في هذه الحرب، التي ألحقت ضررًا بمصالح واشنطن والدول الغربية والخليجية، ويمثل تغيير النظام الإيراني مصدر قلق للكونغرس والدول الأوروبية، نظرًا لأن تقاسم السلطة بين المؤسسة الدينية والجهاز الأمني معقد. يعد تغيير النظام الإيراني هدفًا إسرائيليًا، ولكن لا تمانع الولايات المتحدة في تحقيقه، بجانب تدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية لإيران. تقول مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز “سوزان مالوني”، إن إيران ليست فنزويلا، وأن إسقاط النظام سيكون له تبعات خطيرة، رغم انخفاض قدراتها بالوكالة وبرنامج الصواريخ الباليستية، فإن عشرات الآلاف من القوات الأمريكية بالمنطقة باتوا في متناول إيران، متوقعة أن الحرب لن تتوقف بإعلان انتهائها من ترامب. يعد مضيق هرمز ممرًا بحريًا، يمر به (20%) من النفط والغاز الطبيعي المسال، وبإعلان إيران إغلاقه، تقلصت حركة ناقلات النقط بأكثر من (90%)، وارتفعت أسعار خام برنت بنحو (15%) في الأيام الأولى للحرب، وقفزت لـ (120) دولارًا للبرميل بتصاعد المواجهات، وتتجه التوقعات إلى (150) دولارًا. يمثل إغلاق هرمز، اختناقًا لتدفق السلع والبضائع، ما يفرض عبئًا عالميًا جديدًا من حيث تكاليف الشحن والتأمين. وتوعد دونالد ترامب، في 13 مارس 2026، بتدمير كامل للنظام الإيراني، ما يعني طول أمد الحرب وانعكاساتها على النظامين السياسي والاقتصاد الدوليين.

سيناريو الحرب المحدودة

 استمرار الضربات المتبادلة: إن تضارب تصريحات دونالد ترامب حول موعد نهاية الحرب، دليلًا على رغبته في إعلان الانتصار عقب استسلام إيران، وفي 6 مارس 2026، طالب طهران بالاستسلام غير المشروط. في 11 مارس 2026، قال ترامب إن الحرب انتهت، بينما أعلن في 13 مارس 2026، عدم التزامه بجدول زمني للحرب، مؤكدًا أنه هو من يمتلك قرار إيقافها. في 17 مارس 2026، جدد طلبه لإيران بالاستسلام، رافضًا المفاوضات التقليدية. في المقابل تعهد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، بمواصلة العمليات العسكرية، منوهًا إلى أن مضيق هرمز أداة ضغط ضد واشنطن وحلفائها. ونفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي طلب التفاوض.

يقول كبير مراسلي الشؤون الأمنية الدولية بشبكة “سي إن إن”، نيك باتون والش، إن ترامب وقع في أقدم فخاخ الحروب الحديثة، وهو الاعتقاد بأن عملية عسكرية سريعة ودقيقة، ستؤدي إلى نتائج سريعة ودائمة، باعتماده على معلومات من الاستخبارات الإسرائيلية، وتنفيذًا لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إسقاط النظام الإيراني. لكن يرى نيك باتون والش، أن اغتيال علي خامنئي تسبب في مشاكل بقدر ما حل، بإشعال غضب الحرس الثوري الإيراني، ما يعيق فرص ترامب الفورية لإنهاء الأزمة. ويتوقع أن واشنطن بإمكانها أن تقصف لأشهر، بخسارة مخزونها الحيوي من الذخائر، واستمرار خسارة إيران لمنصات الإطلاق وقواعد الطائرات المسيرة، لكن من المرجح أن يتبقى ما يكفيها، حتى لا تنهار قواتها. ومن هذا المنطلق، تصبح فرضية شن هجوم أمريكي مماثل لإضعاف طهران مستقبلًا قائمة، وأن تسلك إيران نمطًًا استفزازيًا لواشنطن، ولكن ليس بالقدر الذي ينذر بصراع مفتوح، خاصة وأن فكرة إرسال قوات برية لإيران، مخاطرة لا ترغب فيه المؤسسات الأمريكية.

احتواء الصراع جغرافيًا: تجنب حلفاء واشنطن الانخراط في هذه الحرب، وحاول قادة مجموعة السبع، الضغط على ترامب لإنهاء الحرب سريعًا. وأدانت بريطانيا وألمانيا وفرنسا، في 28 فبراير 2026، الضربات الإيرانية المضادة، داعين لاستئناف الحوار الدبلوماسي. أكد رئيس وزراء بريطانيا كير ستامر، أن بلاده لن تشارك في الحرب، رغم نشرها لسفن حربية ومروحيات للدفاع عن المجال الجوي القبرصي. رفض وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في 5 مارس 2026، بشكل قاطع أي مشاركة للجيش الألماني بالحرب. أكد إيمانويل ماكرون، في 9 مارس 2026، أن فرنسا لا تشارك في النزاع الدائر بالمنطقة. وانتقد المستشار الألماني فريديرش ميرتس، في 9 مارس 2026، غياب رؤية استراتيجية لإنهاء النزاع الحالي بين واشنطن وتل أبيب وطهران، مشككًا في تصريحات ترامب، حول أن طهران باتت على حافة الانهيار. كما استبعد رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره، خيار التدخل العسكري. قوبل طلب دونالد ترامب، بشأن تدويل قضية مضيق هرمز وتشكيل تحالف لحمايته، برفض جماعي من دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، مؤكدين أن هذه الحرب ليست حربهم، ولم يتم استشارتهم فيها، ورفضت روسيا والصين الطلب، بينما تحفظت اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا على هذا المقترح.

 استمرار التوتر دون انفجار شامل: استهداف واشنطن وتل أبيب، لمصانع إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع الجوية بإيران، تضعف قدراتها على مواصلة الهجمات، ما قد يدفعها للاعتماد على الوكلاء بالمنطقة، ما يعني بقاء المواجهات في إطار محدد دون تصعيد شامل. دخل حزب الله على خط المواجهات في 2 مارس 2026، بضربات على إسرائيل، ردًا على اغتيال خامنئي ومساندة لإيران في الحرب. في 11 مارس 2026، صعد الحزب من هجماته، لترد إسرائيل بغارات جوية واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت، والعاصمة اللبنانية بيروت، وتدريجيًا أعلنت إسرائيل توغلًا بريًا محدودًا، وقدمت طلبًا لاستدعاء (450) ألف جندي من الاحتياط.

لم يكن العراق بمنأى عن التصعيد، بشن إيران هجمات على السفارة الأمريكية ببغداد وقواعد أمريكية مثل قاعدتي “عين الأسد، “وحرير”، ومطاري بغداد وأربيل.وفي حال انحسار المواجهات بين إسرائيل وحزب الله والفصائل العراقية الموالية لإيران، ستصبح مواجهات محسوبة، نظرًا لأن حرب إيران ستستنزف إسرائيل عسكريًا. يشير ستيفن كولينسون، مراسل أول بشبكة “سي إن إن”، إلى وجود مؤشرات على اختلاف الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من الحرب، عقب قصف إسرائيل البنية التحتية النفطية الإيرانية، ما يزيد المخاوف من أن يكون لدولة أجنبية نفوذ غير مبرر على القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، وأوضح كولينسون، أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في غزة ولبنان وإيران وسوريا، تظهر كمهمة للأمن الإقليمي، وليست مهمة تنتهي بنصر كما يفضل ترامب.

سيناريوهات تأثير الحرب على النظام الدولي

تشكل تحالفات جديدة: تعزز الهجمات الإيرانية المتواصلة على دول المنطقة وإسرائيل، بجانب إغلاق مضيق هرمز، إلى تشكيل تحالف أمريكي إسرائيلي مع بعض الدول الغربية ودول عربية، خاصة وأن واشنطن تمتلك قواعدًا عسكرية بالمنطقة، للتعاون لوجستيًا وعسكريًا واستخباراتيًا لمواجهة إيران. في المقابل قد تسعى إيران لإحياء تحالفها بالمنطقة، عبر الوكلاء في لبنان والعراق واليمن، وتجنيد عناصر جديدة بسوريا، للتنسيق العسكري والاستخباراتي، وتوسيع الجبهتين اللبنانية والعراقية. في حال طال أمد الحرب وتصاعدت حدتها، قد تتشكل تحالفات غير رسمية بين الصين وروسيا مع إيران، لمنع سقوط النظام الإيراني ومواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وتأمين صادرات الطاقة والممرات الملاحية. يعد هذا السيناريو مستبعدًا في التوقيت الراهن، نظرًا لأن أغلب الدول لا تريد الانحياز لطرف من أي أطراف الصراع..

انقسامات داخل النظام الدولي: كشفت حرب إيران عن تصدع النظام العالمي، في 1 مارس 2026، حث الاتحاد الأوروبي على احترام القانون الدولي، دون إدانة مباشرة لأي طرف، ورفضت إسبانيا الهجمات الأمريكية الإسرائيلية. استنكر مجلس التعاون الخليجي الهجمات الإيرانية. وتبنت الهند سياسة حذرة، بالدعوة للتهدئة دون دعم أي طرف. في 11 مارس 2026، أقر مجلس الأمن قرارًا بالإجماع، لإدانة هجمات إيران على دول المنطقة، وامتنعت روسيا والصين عن التصويت، لتجاهل القرار الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ما دفع ممثلي موسكو وبكين للانتقاد، بأنه يميل لصالح واشنطن وتل أبيب. استخدمت واشنطن حق الفيتو ضد مشروع روسي، يدعو لوقف الهجمات على جميع الجبهات. قد تدفع هذه المواقف إلى انقسام النظام الدولي وفقدان المصداقية في المؤسسات الأممية، ويعد هذا السيناريو وارد الحدوث لتصاعد الاستقطاب بين القوى العظمى.

إعادة تشكيل موازين القوى العالمية: من المتوقع أن تتغير توازنات القوى عقب انتهاء حرب إيران. عسكريًا، أظهرت واشنطن قدرات ردع قوية، وبحسب البيت الأبيض انخفضت هجمات إيران الصاروخية (90%)، في المقابل تكبدت دول المنطقة خسائر، مثل توقف الطيران وتعطل رحلات، ما قد يدفع هذه الدول، لزيادة الإنفاق الدفاعي على طائرات الاستطلاع وأنظمة مضادة للصواريخ، كبداية لتقليل الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة. وقد يواجه حلف الناتو مصيريًا مختلفًا، عقب تحفظه تجاه المشاركة بالحرب، وتحذير ترامب له بأن سيواجه مستقبلًا سيئًا. تعد روسيا من أكبر المستفيدين من الحرب، لزيادة عقود الأسلحة، واستخدام الملف النووي الإيراني وسيلة للضغط في حرب أوكرانيا. رغم تضرر الصين اقتصاديًا، كونها المستورد الأول للنفط الإيراني والخليجي، ستستفيد من عودة اهتمام واشنطن للشرق الأوسط بدلًا من تايوان والمحيط الهادئ.

قراءة مستقبلية

– تختلف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران، عن حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، من حيث الأهداف وحدة الهجمات. وتظهر الرغبة الإسرائيلية في تغيير النظام الإيراني، وتماشت مع استراتيجية أوسع لواشنطن من مجرد إزالة تهديد لإسرائيل، إلى فرض نفوذ على النفط الإيراني، ما يحقق لها مكاسب أمام بكين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني، في حال أي مواجهة مستقبلية بينهما في تايوان. وتمثل الضربات الأمريكية على جزيرة “خرج” الإيرانية، بداية لتصعيد نوعي لتحقيق هذه الأهداف.

– أصبحت واشنطن في مأزق بين رغبتها الجامحة في الظهور بمظهر المنتصر، وبين إصرار إيران العنيد على عدم التوقف عن الهجمات، ما يرجح فرضية الضربات من أجل إنهاك قدرات إيران، لذا من المحتمل أن تتواصل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على مصانع إنتاج الصواريخ، والقيادات الإيرانية المؤثرة في إدارة العمليات العسكرية، للضغط على إيران وإفقادها توازنها العسكري، بتطوير بنك الأهداف كل فترة، واستغلال عامل الوقت لدفعها إلى الاستسلام، وفقًا لخطة واشنطن وتل أبيب.

– من الملاحظ أن الهجمات على البنية التحتية للطاقة، لم تكن ضمن خطة دونالد ترامب على عكس بنيامين نتنياهو. وعندما شنت إسرائيل هجومًا على مصادر للطاقة بإيران في بداية الحرب، أبدت الولايات المتحدة اعتراضها على الأمر. ولكن سرعان ما تغير المشهد، بشن ضربات أخرى على حقل “بارس” الجنوبي بإيران، ما يشير إلى نفوذ إسرائيلي واسع في اتخاذ قرارات مصيرية في الحرب، قد يتسبب في غضب الداخل الأمريكي، لاسيما وأن الحرب تفتقد موافقة الكونغرس.

– من المتوقع أن تتجه الحرب إلى سيناريو “اللاعودة”، عقب التصعيد الأمريكي الإسرائيلي باستهداف البنية التحتية للطاقة بإيران، وهو الأمر الذي دفعها للرد بهجمات مماثلة على البنية التحتية للطاقة بالمنطقة، ويلغي أي احتمالية للتهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة وأن الحرس الثوري الإيراني يمتلك هذه المرة المساحة لإدارة العمليات العسكرية، ولديه دافع واضح هو الانتقام للمرشد علي خامنئي.

– يشير منحنى التصعيد بالحرب، إلى إصرار أمريكي إسرائيلي لتنفيذ ثلاثة أهداف، هي: القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتدمير القدرات الصاروخية، وتخلي إيران عن وكلائها. وفي المقابل تتمسك طهران بخمسة شروط لإنهاء الحرب، وتتمثل في الوقف الشامل للهجمات، ورفع العقوبات الاقتصادية، والانسحاب العسكري الأمريكي من المنطقة، والحصول على تعويضات جراء أضرار الهجمات، وضمانات أمنية لمنع تجدد الحرب، ما يعني أن النظام العالمي سيشهد ارتباكًا خطيرًا الفترة المقبلة، لطول أمد العمليات العسكرية، وتصاعد التوترات في مضيق هرمز.

– من المرجح أن اغتيال قيادات إيرانية، قد يتسبب في تخبط في سير الحرب من جانب إيران، التي ستسعى للتأقلم مع غياب قيادات مثل “علي لاريجاني” الذي مثل همزة الوصل بين الأجهزة الدينية والأمنية، وأشرف على المفاوضات النووية مع واشنطن، ما يمهد لمرحلة تصعيد أعنف من الحرس الثوري الإيراني، للتأكيد على أن الحرب مستمرة مهما كانت التكلفة.

– اضطر حزب الله اللبناني والكتائب العراقية المسلحة الموالية لإيران، إلى الانضمام للحرب، وفقًا للأيديولوجية التي تجعل حماية إيران مسألة وجودية لهم، وستعتمد إيران على وكلائها بصورة أوسع الأيام المقبلة، لاستنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية، خاصة وأنها تدرك جيدًا أن الحرب غير متكافئة، وأن واشنطن وتل أبيب يعتمدان على تكتيكات مصممة لعمليات عسكرية طويل الأجل.

– يعد موقف أوروبا الرافض للحرب، الخطوة الأولى في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، خاصة وأنه للمرة الأولى تسلك أوروبا مسلكًا مختلفًا عن واشنطن، لاختلاف رؤيتهما بشأن الملف النووي الإيراني، ولتصاعد التوترات بينهما في ملفات أخرى، ومن المحتمل أن يواجه حلف الناتو تبعات هذا الاختلاف، ما قد يؤثر على التعاون الاستخباراتي والعسكري، ويزيد من التهديدات الأمنية لأوروبا.

– لا يرتبط غياب أفق التفاوض، بإصرار أطراف الحرب على التصعيد فقط، ولكن لغياب وسيط محايد للقيام بهذا الدور، نظرًا لصعوبة عودة سلطنة عمان لهذه المهمة عقب اندلاع الحرب، ولفقدان الوسطاء المحتملين الثقة في التزام الولايات المتحدة وإسرائيل بأي اتفاق محتمل، ولكن الضغط على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، سيدفع الصين وروسيا إلى البحث عن صيغة لاحتواء التصعيد بشكل تدريجي، الأمر الذي قد يحدث في غضون الأسابيع المقبلة.