كتب: رئيس التحرير
مما لا يختلف حوله عاقلان ولا تتناطح في شأنه عنزتان أن الفساد بمختلف أنواعه وخاصة في الإدارة التونسية لم ينته مع رحيل بن علي، بل نكاد نجزم أن الفساد كان أقل وطأة في عهد بن علي مما هو عليه في فترة ما بعد 14 جانفي 2011، حيث استشرى بشكل لا يوصف بما جعل رئيس الجمهورية قيس سعيّد يعقد عديد الجلسات مع مختلف المسؤولين لحثهم ودعوتهم إلى محاربة هذا السرطان الذي يواصل التمدّد في جسد الإدارة التونسية، لكن إلى حدّ الآن لا تزال المجهودات أقل من المطلوب والنتائج أدنى من المأمول لأسباب عدة ودعوات رئيس الجمهورية لا يأبه بها أشباه “المسؤولين”..
وعديد المسؤولين في الإدارات يلتجئون إلى أساليب ركيدة وسمجة في تطبيعهم مع الفساد ويسلكون مسالك ملتوية في سبيل الاستمرار فيه، اعتقادا منهم أن ذلك سيجنبهم الإنكشاف ويبعد عنهم المحاسبة…
وحتى لا يكون كلامنا في العموميات فإننا سنختار بلدية عرف عن القائمين عليها غرقهم في مستنقعات الفساد والإفساد منذ سنوات ورغم ذهاب البعض منهم فإن من عوضوهم استمروا في ذلك النهج.
هذه البلدية هي بلدية مقرين التابعة إداريا لولاية بن عروس، ورغم أنه لا يفصلها عن قلب العاصمة وموقع المراقبة سوى كيلومترات قليلة جدا فإن القائمين عليها أبوا أن يسلكوا أصوب المسالك في تسيير الشأن العام واستمروا على ما كان عليه أسلافهم.
فرغم أن هذه البلدية تعج بالعملة الذين يتجاوز عددهم المائتين ولها من الإمكانيات المادية (الآليات) ما يفترض أن يجعلها مثالا في النظافة وفي الجمال ناهيك أن مساحتها صغيرة جدا مقارنة بأغلب البلديات الأخرى حيث لا تتجاوز 900 هكتار ربعها تقريبا مناطق صناعية، فإن الكاتب العام للبلدية أصر إلحاحا على الإلتجاء إلى المناولة للقيام بأعمال رفع الفضلات والكنس.
نص الإعلانين من منظومة TUNEPS

إذ تم نشر إعلان طلب عروض على منظومة الشراءات العمومية على الخط لخوصصة أشغال الكنس اليدوي ورفع الفضلات المنزلية، وتم تحديد آخر أجل لطلب العروض المتعلق بالكنس ليوم 17 فيفري فيما ضبط آخر أجل لقبول العروض بالنسبة لرفع الفضلات المنزلية ليوم 16 فيفري الجاري.
ففي الوقت التي تضم فيه البلدية جيشا عرمرم من عملة رفع الفضلات ـ لا يوجد ربعه في عديد البلديات ـ وتمتلك شاحنات قالبة وجرارات ومجرورات وشاحنات ضاغطة من المفروض أن تكون جميعها مخصصة لرفع الفضلات، نجد الكاتب العام للبلدية وفي تصرف يؤكد عدم قدرته على تسيير البلدية ومعرفة حقيقة حاجياتها يفتح إعلانين لخوصصة خدمات هي من صميم عمل البلدية التي يتوفر لديها عملة بالمئات (قرابة 300 عامل)…

إن هذا التصرف الذي بدر من الكاتب العام للبلدية يجعلنا نتساءل عمّا يقوم به العملة الذين تم انتدابهم كرافعي فضلات أو كعملة تنظيف؟؟!! ونتساءل أيضا عن حقيقة دوره كمسيّر للبلدية إن عجز عن حسن توظيف العملة ومراقبتهم ودعوتهم إلى القيام بالمهام المنوطة بعهدة كل منهم، أم إن الفشل وعدم الكفاءة دفعها إلى أسوإ الطرق وهو المناولة.
إن ما قامت به بلدية مقرين لا يعدو إلا أن يكون فسادا إداريا سيتلوه فساد مالي، باعتبار أن عدم متابعة وعدم دعوة العملة والعجز في تسيير البلدية هو فساد إداري يجعل من المرتبات والمنح التي تسند لهؤلاء العملة فسادا ماليا.
كما أن خوصصة أعمال الكنس ورفع الفضلات وخلاصها بمبالغ كبيرة من ميزانية البلدية في الوقت الذي لا تشكو فيه البلدية أي نقص في الموارد البشرية بل لديها فائض كبير هو فساد مالي.
فعديد البلديات تتجاوز مساحتها مساحة بلدية مقرين بمئات الهكتارات وعدد سكانها يتجاوز سكان مدينة مقرين الذي هو في حدود 25 ألف ساكن، بعشرات الآلاف، وعدد أعوان النظافة بها في حدود العشرين عونا أو أقل أحيانا أو أكثر بقليل ومع ذلك تتولى مهام الكنس ورفع الفضلات بأعوانها ومعداتها بشكل عادي وطبيعي، فما بالك عندما يكون عدد العملة بالمئات والمساحة محدودة جدا (900 هكتار) وعدد السكان قليل جدا (25 ألف)…

هل عجزت بلدية مقرين عن القيام بدورها أم هو الفساد الذي استشرى في مفاصلها ويعمل القائمون عليها على استدامته؟؟ كيف لبلدية رقعتها الجغرافية صغيرة جدا ولا يوجد بها سوى 8 آلاف مسكن فقط (رادس والمحمـدية: 18 ألف مسكن في كل واحدة منهما وكل واحدة بها قرابة 60 ألف ساكن، رادس بها 150 عاملا، والمحمـدية بها 110 عامل)…
إن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة محاربة الفساد الذي استشرى في مفاصل الإدارة يجد أساسه في مثل بلدية مقرين التي تجاوز فيها العبث مداه، وكل مسؤول يتم استقدامه ينغمس فيما كان فيه سابقوه منغموسون، فيستمر الفساد بالتلاعب بالإجراءات تحت مسميات لا أساس لها من الحوكمة والمحافظة على المال العام، فماذا يفعل المئات من العملة في بلدية مقرين بل وحتى الإداريين الذين يعدّون بالعشرات حيث تضم قرابة 40 موظفا بالتمام والكمال (رادس بها حوالي 35 والمحمـدية بها تقريبا 20 موظفا ولا مقارنة بينهما وبين بلدية مقرين من حيث كثافة العمل)…
إن ولاية بنعروس مطالبة بفتح أبحاث جدية فيما يجري في بلدية مقرين للضرب على أيدي العابثين بالمال العام، والراغبين في استدامة الفساد وتأبيده…
ولنا عودة بملفات أخرى في الفساد في بلدية مقرين منها المستجد ومنها مت سبق لكن الإدارة وضعته في الرفوف ولم تعمل على متابعة المفسدين بما يجعلهم مشاركين فيه….
