بقلم: محمد بن جبارة
08 أوت 2011 ـ 08 أوت 2026
***********************
سلام يا صاحبي…

يمرّ اليوم 8 أوت 2021 عقد ونصف…15 سنة كاملة من الزمن… 5482 يوما بالتمام والكمال، يوما بيوم وليلة بليلة على رحيل قامة كبيرة في عالم الصحافة والإعلام … رجل فريد في أخلاقه وفي إنسانيته… فقلة هم الذين تجد في بلاط صاحبة الجلالة الإجماع حول ذواتهم وكان هو من هؤلاء ، فقد كان الإستثناء الذي خرق القاعدة…
الحسين إدريس، مدير تحرير جريدة “البيان” الذي ارتبط إسمه بها لسنوات طويلة وتدرّج في رتبه بها إلى أن بلغ أسماها بجهده وعرقه وتضحيته ونظافة يده وكفاءته وأنفته وعزة نفسه، كان فعلا رجلا من طينة خاصة جدّا…رجل أعطى للإعلام المكتوب بسخاء حتى وإن لم يكن يظهر في الصورة باختيار منه، فقد آثر أن يلعب دور الموجّه والمعين والمساعد لزملائه في الجريدة على أن يستفرد لنفسه بما يسعى إليه غيره لكسب الشهرة والمجد والمال…
كان اختيارا منه وعن قناعة رغم أنني كنت شخصيا ضدّ هذا الاختيار، فمن حق نفسه عليه أن تنال حظها وحقها شهرةً وكسبًا، لكنه كان أرفع من ذلك فاستمر في رسالته يؤديها بأمانة وبحرفية وبصدق إلى أن حانت ساعة الرحيل في يوم رمضاني وهو في عنفوان العطاء فذهب في حال سبيله للقاء ربّه صائما.
والحديث عن “سي الحسين” رحمه الله وطيّب ثراه ذو شجون، فيصعب أن تضع له نهاية إن إنطلق ويستحيل أن لا ينطلق وقد اجتمع خلانه من أسرة البيان… فقد كان الرجل استثناءً جميلا وأنيقا وترك مناقب وإرثا أخلاقيا وإنسانيا واجتماعيا كبيرا يجعلنا كلما اجتمعنا ننبش فيه فيزيدنا النبش احتراما لهذا الرجل الطيّب المتواضع.

“سي الحسين” الذي آثر الذهاب في حال سبيله يوم الثامن من أوت 2011 إلى حيث لن يعود بعد أن استثاق حجرا (رخامة) فشرّفه بالوقوف عليه فما كان الحجر في مستوى الثقة وما قدّر الرجل حق قدره لتكون ساعة الرحيل المؤلمة لكن حسبنا أن السائر إليه ربّ رحيم سيغفر له ويرحمه وينعم عليه بجنات الفردوس.
ورغم غيابه الجسدي النهائي عن عالمنا لا نزال نقرن إسمه كلما ذُكر بحرفي الاحترام والتقدير “سي” احتراما لشخصه وتقديرا لمقامه وتبجيلا لمكانته حتى وهو ليس بيننا وهل نملك ألاّ نفعل؟؟!!.
فالرجل كسب الأفئدة وامتلك القلوب بسموّ أخلاقه وتواضعه وطيب معشره وحسن إنصاته، فهو لم يكن يُشعرنا بسلطة الرئيس على مرؤوسيه ولم يكن يعتمد الغطرسة أو التجاهل ليرفع من شأنه ويجعلنا نهابه، بل كان متواضعا تواضع الأخ مع إخوته، وبسيطا بساطة الأب مع أبنائه، وباب مكتبه مفتوح للجميع دون استئذان فكان كل ذلك يزيدنا احتراما لشخصه وتقديرا لشأنه، فكنّا في “البيان” تحريرا وفنيين وإداريين لا نعترض على قرار يتخذه ولا نمتعض لأمر قرّره، بل ننفذه بكل محبّة أيّا كان القرار…وشخصيا حدث أن اتخذ قرارات تخصني تؤدي إلى التبرّم منها عادة كأن أبقى إلى وقت متأخر مساء الأحد، لكنني كنت أتقبّلها برحابة صدر فأبتسم لها ومنها، فيردّ عليها بالقول “الخدمة ما معاهاش لعب” ويبتسم…
و”سي الحسين” لم يكن شخصا عاديا وهو في بلاط صاحبة الجلالة لأسباب عديدة لكني سأقتصر على مثال وحيد بسيط، فهو لم يكن يقيم أي اعتبار للصداقة الشخصية عندما يتعلق الأمر بمقال يرغب صاحبه في نشره، فإذا لم يكن المقال جديرا بالنشر فطريقه إلى سلة المهملات بغض النظر عن صاحبه علا شأنه أم قلّ…
وشخصيا كنت أعلم هذا عنه جيدا لذلك لم أكن أناقشه أبدا في مقال مددته له يدويا أو وجّهته إليه إلكترونيا، فإن أذن بنشره أكون مسرورا وإن كان غير ذلك فأعرف أن المقال كان دون المستوى ولا أراجعه فيه أبدا… وطوال فترة عملي معه والتي قاربت 20 سنة كاملة لا أتذكر إلا مناسبتين فقط راجعته في مقالين أحدهما نام في الأدراج والثاني أذن بنشره…
فالمقال الأول تعلق بحقوق الإنسان وهو عبارة عن تحليل لبعض فصول الميثاق العالمي لحقوق الإنسان كنت أرغب في نشره في الصفحة القانونية التي كنت أُشرف عليها لكنه إعتذر عن الإذن بنشره لأن الوضع السياسي لا يسمح وقتها (أعتقد في سنة 2004)، أما الثاني فإنه تعلق بـ”الحرقة”سأعود إليه لاحقا…
وعلاقتي الاستثنائية بهذا الرجل الاستثنائي استمرّت إلى اليوم الأخير في حياته….كان يستثيقني كثيرا، فيطلعني على أسرار كثيرة في حياته المهنية والعائلية… كان يحرص على إبلاغي بالتغييرات الإيجابية في حياته لأنه كان يعلم بما أكنّه له… كان ربّما يجد فيّ الإبن الذي لم يرزقه به الله، رغم أنه كثيرا ما تفاخر ببناته الثلاث اللاتي أدّبهن فأحسن تأديبهن وعلمهن فأحسن تعليمهن، وكلما مازحته في الأمر بأن “الذكر” يبقى له وقع خاص في العائلة العربية، يقول لي وهو يضحك تلك الضحكة التي إفتقدناها نهائيا “والله البنات خير م الأولاد… وبناتي خير من ألف راجل” (وهو صادق)… وربّما شعوره بقرب أجل الإفتراق الأبدي جعله مساء يوم السبت الذي سبق وفاته بيومين يصطفيني من بين الزملاء المصحّحين الثلاثة لأكون متواجدا يوم الأحد بمفردي لمتابعة أخطاء الرّقن… ورغم أن المنطق يفرض التبرّم من هذا الإختيار لأننا جميعا نروم الراحة خاصة والشهر كان رمضان، فإن العكس هو الذي شعرت به… ورددت على طلبه بسرعة “باهي… باهي.. حاضر… الله يبارك” ولم أكن أعلم أنه إنما يريدني أن أستمتع بلحظات إضافية بجانبه… لحظات لن تعود أبدا… لحظات لم يُشعرني خلالها بأنه يرغب في رؤيتي لتوديعي سويعات قبل ملاقاة خالقه… ومن حسن حظي أنني قضيت أغلب ذلك اليوم في مكتبه… نتمازح حينا… ونقلّب البريد الإلكتروني أحيانا أخرى علّه يأتي بالجديد… إلى أن أتممت العمل… فلم أودّعه سوى بعبارة “شاهية طيبة”… ردّ عليّ بمثلها وهو منهمك مع الزميل “رياض الغربي” في وضع اللمسات الأخيرة على الصفحة الأولى للجريدة التي كنت راجعتها وإيّاه منفردين للمرّة الأولى وكانت أيضا الأخيرة… لم أكن أعلم أنها ستكون آخر عبارة يسمعها مني… ولا آخر عهد لي برؤية محيّاه… فالرجل في صحة جيّدة… ولم يشكُ من أيّ علّة أبدا… لكنه مات وهو في عنفوان العطاء وفي كامل الصحة والبهاء… مات بعد أن إستثاق حجرا (رخامة) فما عرفت قدر الرجل وما كانت في مستوى الثقة…

يوم الأحد (يوم قبل الرحيل) كان لي مقال يتعلق بعملية “حرقان” لم يجد موضعا له نظرا لغزارة المادة وحينيّتها فطلبت منه النظر في إدراجه فقال لي “يا محمّد راني ما نيش مقتنع بنشره ع الخاطر أنا ضدّ اللي يحرقوا، لكن على خاطر إنت اللي عملتو… عدّيتو في الأول لكن المادة ياسر وأبجل… ومقالك يستنّى الجمعة الجاية” …. فألححت عليه بنشره نظرا لطابعه الإجتماعي ـ وهي المرة الأولى التي ألحّ فيها عليه بنشر مقال لي ـ فوافق وهو يبتسم… وكأنه اقتنع بـ”الحرقان”، فـ”حرق” بعد سويعات إلى عالم الملكوت… ومن مفارقات الزمن العجيب أنه ألح عليّ خلال الأسبوع الذي سبق وفاته بالقيام بتحقيق عن توقف العمل بمصنع الإسمنت بالنفيضة ـ هذه المدينة التي كلما ذُكرت لي أشعر بقشعريرة ـ وطالبني بإنجازه ليتمّ نشره في العدد الفارط وألحّ عليّ بعدم التأخير أو التباطؤ… فقمت بالمطلوب، لتكون النفيضة التي شهدت صعود روح شقيقي إلى بارئها قبل 21 سنة في حادث مرور، آخر مسرح لمهمّة إعلامية يكلفني بها أخي الذي لم تلده أمّي بعد علاقة استمرت قرابة 20 سنة… فقد هرول إلى خالقه ولبّى دعوته…
“سي الحسين” الذي استعجل الرحيل وهو في عنفوان العطاء الصحفي لم يكن شخصا عاديا حتى وإن لم يصب شهرة يستحقها مقارنة بغيره من الإعلاميين، فهو لم يكن يسعى للظهور الإعلامي التلفزي أو الإذاعي بل كان يكرّس كل جهده لـ”البيان” رغبة في مزيد إشعاعها وتثبيتها في السوق خاصة بعد ما باتت تعرفه الصحافة المكتوبة من صعوبات ناتجة بالأساس عن مزاحمة القنوات الفضائية والمواقع الاجتماعية للصحافة الورقية فأثرت على مبيعاتها ومنها البيان وأحسب أنه نجح في مهمته بشكل كبير إلى أن حانت ساعة الرحيل، فترك الأمانة لغيره وذهب في حال سبيله، وليته يعلم بما حلّ اليوم بالأمانة…
عاش “سي الحسين” شامخا أبيّا منتصب القامة مرفوع الهامة لا يطأطئها لمخلوق كائنا من كان رغم الغدر الذي كان يلقاه من بعض أصحاب الأنفس المريضة خاصة في أسوار ومحيط جامعة رفع الأثقال التي عمل في مكاتبها الجامعية طويلا وهو البطل الذي كان لا يُشقّ له غبار في لعبة يعشقها كثيرا، وحتى في إتحاد الصناعة والتجارة الهيكل الذي تتبعه “البيان” فالرجل لم ينل حقه وذهب الكثير من عرقه سبهللا.
وغادرنا صباح إثنين رمضاني قبل 15 سنة أيضا شامخا منتصب القامة بعد أن غدر به حجر أصم لا يختلف كثيرا في طبيعته عن بعض البشر في الغدر والصمم… رحل “سي الحسين” لكنه لا يزال بيننا نستذكره ونترحّم عليه فقد كان كالروح لجسد كل من عرفه وعاشره واقترب منه وخبره…إنطفأ نوره في الحياة لكننا كلنا ثقة بأن الله ينير ظلمات قبره بنور يستمر إلى يوم القيامة…
فنسأل الله دائما أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم الصبر والسلوان لأرملته الصابرة المحتسبة السيدة راضية وبناته الفضليات: الدكتورة فاتن والأنيقة أميرة والمتألقة مريم.
رحم الله سي الحسين فقد كان فعلا أعظم من الحياة…
فلئن غاب عنا جسدا فروحه دائما بيننا ونحن على العهد معه، وهذا الاسبوع إن شاء الله سنزور قبره ونقرأ له الفاتحة وندعو له بالرحمة وبالمغفرة، ونحيطه علما بما جرى لـ“البيان” في غيابه فقد نجد لديه الحلّ بعد أن عجز عن إيجاده من فيهم الروح وهم بلا روح…
محمّد بن جبارة

