البيان/ أحمد مخلوف

تعيش كرة القدم التونسية اليوم واحدة من أدق وأخطر مراحلها التاريخية، مرحلة لم تعد تحتمل مساحيق التجميل أو سياسة الترضيات و”المقايضة” التي مرغت هيبة الراية الوطنية في الوحل, فبين مكتب جامعي يترصد البقاء ويمد ساقيه مستندا إلى فزاعة “تجميد النشاط من الفيفا” ورؤساء أندية يشربون من نفس الكأس ويقدمون مصالح جمعياتهم الضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن، يجد الشارع التونسي نفسه متمسكا بأمل وحيد “ثورة تشريعية وجرأة فنية تعيد لـ”النجمة والهلال” بريقها المفقود.
فزاعة “التدخل الحكومي ” وبناء الإمبراطوريات..
لقد تحول بند ” منع التدخل السياسي في لوائح الإتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” إلى درع حصين يستغله المكتب الجامعي للهروب من المحاسبة الأخلاقية بعد الخيبات المتعاقبة، وبدلا من تقديم الإستقالة التلقائية في خطوة مسؤولة تمترس أعضاء الجامعة خلف الكراسي مستغلين حاجة الأندية المخنوقة ماليا لمنح التسيير وسلف النزاعات مما احكم قبضة ” المصالح المشتركة” واجهض أي نية داخلية لسحب الثقة من طرف الجمعية العمومية.
قانون الهياكل الرياضية الجديد..طوق النجاة…
أمام هذا الإستعصاء بات واضحا أن المقاطعة الجماهيرية للمنتخب الوطني ليست حلا، لأن حب تونس يجري كمجرى الدم في شرايين شعبها ولا يمكن لعاشق “النجمة والهلال” أن يكف عن الوقوف وراء منتخبها.
من هنا يبرز “مشروع قانون الهياكل الرياضية الجديد كطوق نجاة. فهذا القانون لا يواجه “الفيفا” بصدام مباشر بل يحاصر الفساد بذكاء تشريعي عبر :
-الرقابة الصارمة على المرفق العام واموال الدولة وهو حق سيادي لا يمكن لهيكل دولي الإعتراض عليه .
-تحديد العهدات الإنتخابية بمرتين فقط لإنهاء عهد التخليد في الكراسي وبناء الممالك الشخصية .
-فرض إستقلالية تامة للجان الإنتخابية والقضائية لقطع الطريق أمام خلط الجامعة بين دور “الخصم والحكم” .
عقلية التسعينات وإستقلالية القرار الفني..
إن العودة إلى السكة الصحيحة تفرض التخلي عن المهازل الفنية الأخيرة، حيث تحوّل المنتخب الوطني إلى محطة تسويق وهدايا مجانية للاعبين “مزدوجي الجنسية ” عاجزين عن إتمام مباراة أو بلّ أقمصتهم بال”ڨرينتا”، ومن من لم يلعب مع ناديه الأوروبي على إمتداد الموسم سوى 50 دقيقة والبقية على بنك البدلاء… القاعدة الذهبية واضحة: المنتخب ليس مصحة لإعادة التأهيل وليس محطة لينتمي إليه من مل بنك البدلاء، بل هو ملك لمن يشارك أساسيا وبإنتظام على إمتداد جولات البطولة، وهنا تكمن ضرورة الإعتناء باللاعب المحلي الموهوب و”الجائع” كرويا وإعادة إيقاد جذوة الحماس فيه فهو الاقدر على تحمل أدغال إفريقيا والقتال بالطول والعرض داخل الميدان.
في هذا السياق يبدو الرهان على المدرب الفرنسي “هيرفي رونار” خطوة صائبة جدا، فرجل بـ”كاريزما” رونار وصيته العالمي لن يقبل بالإملاءات أو التدخل في خياراته من أي مدير فني “مأمور”، وسيعيد لتربصات المنتخب الوطني هيبتها وإنضباطها تماما كما فعل البولوني هنري كاسبرجاك في التسعينات عندما كانت قوافل المنتخب تشد الرحال إلى هدوء توزر لتصنع من هناك ملحمة التأهل التاريخي لمونديال 1998 .
كاسبرجاك، لومار وسكوليو…عندما قادت الشخصية الحديدية سفينة القرطاجيين.
إن التاريخ المعاصر لمنتخبنا الوطني يثبت بالدليل القاطع أن النجاحات الكبرى لم تتحقق إلا تحت إشراف قامات تدريبية أجنبية إمتلكت”كاريزما” إستثنائية وجدارا عازلا ضد تدخلات السماسرة والمجاملات الفوقية فقد كان البولوني هنري كاسبرجاك ( 1994 – 1998) مهندس نهضة الكرة التونسية حيث زرع بعقليته الصارمة الإندفاع البدني وقام ببناء “أسود قتالية” إنطلقت من هدوء تربصات ربوع الجريد لتصل إلى نهائي كأس إفريقيا في جوهانزبورغ بجنوب إفريقيا سنة 1996 ومونديال فرنسا 1998.
وقد تواصل هذا النهج الإحترافي مع البروفيسور الإيطالي فرانسيسكو سكوليو الذي أعاد صياغة عقلية اللاعب التونسي تكتيكيا وجعل من عرق القميص والإنضباط داخل الميدان شرطا مقدسا لا يقبل المساومة ليقود النسور إلى نصف نهائي كأس إفريقيا ومونديال سنة 2002. أما التتويج الأبرز فكان ببصمة الفرنسي “روجيه لومار” المدرب الذي دخل في صدام مباشر مع المنظومة الجامعية والإعلامية لحماية مجموعته، ففرض إنضباطا عسكريا تاما أثمر التتويج التاريخي بكأس إفريقيا سنة 2004 والتأهل لمونديال 2006 .
هؤلاء العمالقة نجحوا بإمتياز لأنهم لم يكونوا “مأمورين”، بل كانوا ملوك قراراتهم الفنية وهو الدرس التاريخي الذي يجب أن يعيه من سيفاوض “هيرفي رونار ” اليوم .
مسيرة ” الثعلب ” في سطور..
صانع المعجزات من رحم الصبر والكفاح..

ولدت مسيرة الفرنسي هيرفي رونار المولود في سبتمبر 1968 من رحم المعاناة والكفاح حيث بدأ حياته الكروية كمدافع متواضع، وقد إضطر في بدايات مشواره التدريبي إلى العمل ليلا في شركة تنظيف ليعيل نفسه، بينما يقود نهارا تدريب فرق الهواة.
هذا الكفاح صقل شخصيته الصارمة وحوله إلى “ساحر القارة السمراء” وصانع امجادها، محققا أرقاما تاريخية وإنجازات غير مسبوقة في عالم الساحرة المستديرة.
مروض المستحيل الإفريقي
ويعتبر هيرفي رونار هو المدرب الأول والوحيد في تاريخ كرة القدم الذي نجح في التتويج بلقب كأس الأمم الإفريقية مع بلدين مختلفين حيث قاد منتخب زامبيا لمعجزة القرن في نسخة 2012 ثم عاد ليفك عقدة 23 عاما لمنتخب ساحل العاج ويتوج معه بلقب 2015.
مهندس العودة المغربية للمونديال..
كما تولى هذا الفني المخضرم قيادة المنتخب المغربي عام 2016 ونجح بعقلية إنضباطية في إنهاء غياب 20 عاما عن المحافل العالمية ليقود أسود الأطلس إلى مونديال روسيا عام 2018 .
قاهر أبطال العالم
في مونديال قطر 2022 قاد هيرفي رونار المنتخب السعودي لتحقيق واحدة من أكبر المفاجٱت المدوية في تاريخ كأس العالم بعد أن أسقط منتخب الأرجنتين حامل اللقب لاحقا بقيادة ليونيل ميسي بنتيجة (2-1)
مدرب العام في إفريقيا
وبفضل حنكته التكتيكية وقدرته على شحن اللاعبين وبناء المنتخبات تربع “رونار” على عرش الفنيين في القارة السمراء وتوّج بجائزة أفضل مدرب في إفريقيا في ثلاث مناسبات مختلفة .
صاحب الأرقام المونديالية الفريدة:
كما إنتقل المدرب هيرفي رونار لتدريب منتخب فرنسا للسيدات وباركه التاريخ كأول مدرب في العالم ينجح في الفوز بمباريات صلب كأس العالم للرجال والسيدات على حد السواء.
إن هذه السيرة الذاتية الذهبية لرجل لم تمنحه الدنيا شيئا بالمجان بل إنتزعه بعرقه وقوة شخصيته تؤكد أن “الثعلب” لا يملك في قاموسه مكانا للمجاملات أو “الڨعباجي” وهو الكفاءة العالمية الأنسب لحلحلة الركود الكروي التونسي وإعادة صياغة هوية المنتخب الوطني على أسس الإنضباط والقتالية.
شرف المهنة في زمن التنازلات..
لا يمكن لإصلاح رياضي أن يكتمل دون إعلام نزيه يقف كجدار صد أمام مؤامرات الكواليس، وللأسف يسبح جيل اليوم من أصحاب القلم والمنابر الرياضية -إلا ما رحم ربي- في فلك الولاءات الضيقة والركض وراء “البوز” والإثارة الرخيصة.
إن الأمانة تقتضي اليوم من كل إعلامي يقدس مهنته ويحترم ضميره أن يقول للمحسن احسنت وللمخطئ أخطأت دون خوف او بيع للذمم فالقلم الذي لا يخدم “النجمة والهلال” لا يستحق أن يخط حرفا واحدا.
تونس بحاجة لأسودها فوق الميدان..ولأقلامها الشريفة وراء المكاتب.
