البيان / أحمد مخلوف

لم يكن الإنسحاب المبكر والقاسي للمنتخب الوطني التونسي من نهائيات كأس العالم 2026 عقب هزائم ثقيلة ومذلة أمام السويد واليابان مجرد عثرة عابرة أو سوء طالع، بل كان المرٱة الحقيقية التي عكست عمق الأزمة الهيكلية والتخبط الإداري والفني الذي يعيشه نسور قرطاج.
هذا الخروج المهين أثبت أن الحلول الترقيعية وتغيير الأجهزة الفنية وصولا إلى التعاقد مع الفرنسي هيرفي رونار لم تكن كافية لحجب العيوب الكارثية التي تنخر جسد اللعبة.
داء الجهويات: السرطان الذي إلتهم اللحمة الوطنية ..
إذا أردنا تشخيص الداء الحقيقي وراء هذه النتائج الكارثية والمذلة فلا بد من تسمية الأشياء بمسمياتها… فقد سقط المنتخب الوطني ضحية لـ”داء الجهويات المقيت” والإنقسام الجماهيري والإعلام غير النزيه بتعلة هذا جنوبي وهذا ساحلي وذاك عاصمي والآخر جريدي.
هذا المناخ المسموم والتشرذم الاجتماعي والرياضي هو ما إكتوى بناره سابقا المدرب الوطني الأسبق جلال القادري، الذي تعرض لحملات تقزيم وتشكيك ممنهجة قادتها “لوبيات” مصالح ضيقة أغفلت لغة العقل والأرقام الناصعة التي حققها هذا الفني. والخطير في الأمر أن الجماهير الرياضية نفسها تم شحنها وتوجيهها ٱنذاك عبر “بلاتوهات” إعلامية تبحث عن “البوز”، وعبر صفحات مشبوهة على وسائط التواصل الاجتماعي ليتراجع منسوب المصلحة الوطنية وتتحوّل الجماهير إلى جبهات متناحرة تفرح لإخفاق لاعب أو مدرب لمجرد إنتمائه الجغرافي أو الرياضي.
بالأرقام مسيرة ذهبية للقادري

الأرقام لا تكذب، وحصيلة الناخب الوطني السابق جلال القادري تتحدث عن كفاءة نادرة أُجهضت في مناخ مشحون، حيث قاد القادري “نسور قرطاج” في 27 مباراة رسمية وودية محققا 14 إنتصارا و 7 تعادلات ولم يتجرّع مرارة الهزيمة إلا في 6 مناسبات فقط، وذلك بنسبة نجاح بلغت 51٫8%. وتميزت فترته بصلابة دفاعية حديدية، إذ لم تستقبل شباك المنتخب سوى 14 هدفا بينما حافظ على عذارة شباكه في 18 مباراة.
ولم تقتصر هذه المسيرة على الإنضباط الدفاعي بل شهدت توهّجا هجوميا وتكتيكيا في المحافل الكبرى لعل أبرزها تلقين المنتخب الياباني درسا كرويا في عقر داره وأمام جماهيره الغفيرة والفوز عليه بنتيجة عريضة (3-0) وحرمانه من التتويج بـ”كأس كيرين الدولية” العريقة بعد أن تجاوز المنتخب الشيلي بثنائية نظيفة في ذات البطولة. هذا الإنجاز الفريد إلى جانب الإنتصار المونديالي التاريخي على فرنسا بطلة العالم بنتيجة (1-0) وتصدر إنطلاقة تصفيات مونديال 2026 هي أرقام متميزة ومحترمة تظل وثيقة إدانة ضد كل من حركته النعرات الجهوية والمحاباة لتقزيم كفاءة وطنية قدمت الكثير للراية الوطنية.
منشٱت رياضية رديئة أضرت باللعبة وباللاعبين..
إذا كانت الإدارة هي العقل المفكر فإن الملاعب هي المصانع التي تنتج الأبطال، وإذا فسد المصنع، إستحال الحديث عن جودة المنتج.
إن الحديث عن صناعة جيل كروي قادر على المقارعة العالمية في ظل الوضعية الحالية للملاعب التونسية هو ضرب من الخيال، فتونس تخوض حروبا كروية عالمية بأسلحة بدائية وبنية تحتية رياضية تصنّف كإحدى أسوإ البنى التحتية في المنطقة الإفريقية، نقول هذا وذلك بكل ألم وحرقة وحزن، فالملاعب التي تحتضن مباريات بطولة الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم تحوّلت إلى عوائق حقيقية أمام تطوير اللعبة… أرضيات معشبة إصطناعيا بصفة رديئة وعشب طبيعي يختفي مع أولى قطرات المطر ليتحول إلى برك طينية، فضلا عن غياب أدنى التجهيزات التكنولوجية الحديثة والعصرية. هذه الملاعب لا تعيق فقط تقديم كرة قدم سريعة وعصرية، بل باتت مصيدة لإصابات اللاعبين الخطيرة وحطمت مسيرة العشرات من المواهب الكروية الصاعدة .
خارطة طريق خماسية: كيف ننقذ السفينة؟
إن الخروج من أضيق الأبواب يجب أن يتحوّل فورا إلى فرصة تاريخية للقيام بغربلة شاملة وتطهير حقيقي عبر تطبيق خارطة طريق إنفاذ متكاملة ترتكز على خمس ركائز أساسية :
*تطهير البيت الجامعي برمته: البدء فوراً بحل المكتب الجامعي الحالي للجامعة التونسية لكرة القدم كخطوة أولى لا مفر منها لبناء بيئة تسييرية نزيهة وموثوقة قادرة على مفاوضة الشركاء والقطع مع منظومة “اللوبيات”
*مزج الكفاءات: (قانون ,مال ورياضة)
*الإسراع بتشكيل مكتب جامعي جديد يعتمد على الحوكمة والذكاء المؤسساتي، يضم خبراء قانونيين لحماية اللوائح والعقود ومحاسبين ماليين لفرض الشفافية وتنمية الموارد وكفاءات رياضية لإدارة الملف الفني.
*مشروع فني طويل الأمد وعقد أهداف: العمل على تثبيت المدرّب الفرنسي هيرفي رونار بمشروع يمتد لسنوات قادمة وتحديد أهداف صارمة وواضحة تشمل التأهل للأدوار النهائية لكأس إفريقيا وللمونديال المقبل مع منحه الحصانة الكاملة ضد الضغوطات.

*كفاءة وطنية للتنسيق والربط :
تعيين إطار رياضي تونسي كفء يمتلك الشرعية والتكوين ليعمل بالتنسيق المباشر والمستمر مع المدرب الوطني يكون دوره تسهيل التواصل مع اللاعبين وإستقطاب المواهب المحترفة وبناء حزام أمان يصد ضغوط الكواليس والجهويات المريضة.
*ثورة المنشٱت الرياضية عبر الإستثمارات المحلية والأجنبية ..
*في هذا المحور الهام والمهم لابد من فتح الباب على مصراعيه أمام رأس المال الخاص والشركات الاقتصادية الكبرى لإنجاز وصيانة ملاعب بمواصفات “الفيفا” العالمية عبر خصخصة الملاعب وبيع حقوق التسمية وتعديل القوانين لتتحول الرياضة من عبء مالي على الدولة إلى صناعة إستثمارية مربحة تضمن سلامة وتطور اللاعبين .
إن إنقاذ كرة القدم التونسية وإستعادة هيبة نسور قرطاج لن يتحققا بالٱماني أو البكاء على الأطلال بل بقرار شجاع وفوقي من الدولة وسلطة الإشراف لفرض علويةالقانون وتجفيف منابع الفتنة الجهوية وتقديم مصلحة الراية.الوطنية فوق كل إعتبار.
ولنا عودة بأكثر تفاصيل عن أجواء المنتخب الوطني قبل لقاء هولاندا.
