
كاميرا البيان/رياض الغربي

لم يكن حضور الفنان المصري ثامر عاشور على ركح المسرح الأثري بقرطاج، مساء السبت 8 أوت 2026، مجرد حفل غنائي ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كان موعدًا استثنائيًا جمع بين الكلمة العذبة واللحن الشجي، ليؤكد أن الأغنية الرومانسية لا تزال قادرة على ملامسة الوجدان وصناعة لحظات لا تُنسى.
وقبل أن يعتلي الركح، كانت أغانيه قد سبقته إلى الجمهور الذي توافد منذ ساعات مبكرة، في انتظار لقاء طال ترقبه. وما إن بدأ الحفل حتى تحولت مدارج المسرح إلى مساحة واحدة من الغناء الجماعي، حيث ردد الآلاف كلمات أغانيه عن ظهر قلب، وسط الزغاريد والتصفيق وحالة من الانتشاء الموسيقي التي رافقت السهرة من بدايتها إلى نهايتها.
وخلال الندوة الصحفية التي سبقت الحفل، أكد ثامر عاشور أن الوقوف على خشبة قرطاج يمثل محطة خاصة في مسيرته الفنية، معتبرا أن وصوله إلى هذا المسرح العريق هو ثمرة سنوات من الاجتهاد والالتزام في التلحين والغناء، واعدًا الجمهور التونسي بسهرة تحمل أجمل أعماله وأكثرها قربًا من قلوب محبيه.
وجاء الموعد وفاءً لهذا الوعد؛ إذ امتدت السهرة قرابة ساعتين، تنقل خلالها عاشور بسلاسة بين محطات مسيرته الفنية، مقدمًا 28 أغنية من أبرز أعماله، بينما كان الجمهور شريكًا حقيقيًا في العرض، يردد الأغاني ويمنحها حياة جديدة بصوته وحماسه.
ومنذ بداياته، نجح ثامر عاشور في ترسيخ أسلوب غنائي خاص يقوم على الرومانسية الحديثة دون أن ينفصل عن الإرث الطربي للأغنية المصرية. وتميزت أعماله ببساطة التعبير وعمق الإحساس، مع قدرة واضحة على تطوير لغته الموسيقية من ألبوم إلى آخر، حتى أصبح يمتلك هوية فنية متفردة داخل المشهد الغنائي العربي.
ولم يقتصر حضوره على الغناء فحسب، بل رسخ مكانته أيضًا كأحد أبرز الملحنين في الوطن العربي، بعدما تعاون مع أسماء كبيرة مثل أنغام، وشيرين، وإليسا، وأصالة، ومحمد منير وغيرهم. وخلال الحفل، استعاد جانبًا من هذه التجربة من خلال “ميدلي” ضم عددًا من الأغنيات التي لحنها لنجوم الغناء العربي، ليكشف للجمهور جانبًا آخر من مشروعه الفني.
وتفاعل الجمهور بحفاوة كبيرة مع أغنيات مثل “تسلم”، و”ياه”، و”قصر بعيد”، و”أولاد الحلال”، و”هيجيلي موجوع”، و”مراية الحب”، وغيرها من الأعمال التي شكلت محطات بارزة في مسيرته، بينما بدا الفنان متأثرًا بالمحبة التي أحاطه بها الجمهور التونسي، ليخاطب الحاضرين قائلاً: “ينفع أغني هنا كل يوم؟”، في عبارة لخصت حجم الانسجام بينه وبين جمهور قرطاج.
وكانت إحدى أكثر لحظات السهرة عفوية عندما ردد الجمهور أغنية “يا مراية الحب”، التي قدمها عاشور لأول مرة على ركح قرطاج، ليعبر عن دهشته قائلاً: “متى لحقتوا تحفظوها؟ هي نزلت من أسبوعين فقط… شكراً لكم.”، في مشهد عكس العلاقة الخاصة التي نسجها مع الجمهور التونسي، والذي لطالما وصفه الفنانون بأنه من أكثر الجماهير تفاعلاً ووفاءً للفن.
كما كشف عاشور خلال لقائه الإعلامي عن فلسفته في اختيار أعماله، مؤكدًا أنه يدرك جيدًا حدود وإمكانات صوته، ولذلك يحرص على تقديم الأغنيات التي تناسب خامته الصوتية وإحساسه، بينما لا يتردد في منح ألحانه لفنانين آخرين إذا وجد أنها تلائم أصواتهم أكثر، وهو ما يفسر نجاحه الكبير ملحنًا إلى جانب نجاحه كمطرب.
وبهذه السهرة، أكد ثامر عاشور أنه استطاع بناء مشروع فني متكامل يجمع بين الغناء والتلحين وصناعة الأغنية العاطفية ذات البعد الدرامي، مشروع نجح في الوصول إلى وجدان الجماهير العربية، وأثبت قدرته على كسب رهان أصعب المسارح العربية، وفي مقدمتها المسرح الأثري بقرطاج، ليوقع واحدة من أكثر سهرات الدورة الستين دفئًا ورقيًا، ويضيف صفحة جديدة إلى مسيرته الفنية الحافلة بالنجاحات.














