
كاميرا البيان/رياض الغربي

لا يمكن قراءة السهرات الخمس الأولى من الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي باعتبارها مجرد عروض موسيقية متتالية، بل تبدو أقرب إلى بيان فني وثقافي يكشف منذ البداية عن ملامح البرمجة التي اختارتها إدارة المهرجان للاحتفاء بستين سنة من تاريخ واحد من أعرق المهرجانات العربية والمتوسطية. فمنذ افتتاح الدورة يوم 16 جويلية، اتضحت الرغبة في بناء مسار فني يجمع بين الوفاء لذاكرة قرطاج والانفتاح على التحولات التي تعرفها الموسيقى اليوم، دون التفريط في المكانة الرمزية التي اكتسبها المسرح الأثري عبر عقود طويلة.
وجاء عرض “تحت الياسمين” لصابر الرباعي ليؤسس لهذا التوجه منذ اللحظة الأولى. فلم يكن الافتتاح احتفاءً بفنان حقق حضورا عربيا فقط، بل كان احتفاءً بالأغنية التونسية نفسها. اختار الرباعي أن يجعل من الحفل مساحة للحوار بين الأجيال، فاستدعى أصواتا من مدارس مختلفة، واستحضر ذكرى فنانين رحلوا، وفتح المجال أمام أصوات شابة، في رسالة واضحة مفادها أن الفن لا يعيش إلا بتواصل الأجيال. لقد تحول المسرح إلى فضاء تنتقل فيه الشعلة من يد إلى أخرى، بينما كان الجمهور شريكا في صناعة هذه اللحظة، يردد الأغاني التي أصبحت جزءا من ذاكرته الجماعية.
ولم يكن اختيار الشاب خالد في السهرة الثانية بعيدا عن هذه الفلسفة. فالرجل الذي نجح في تحويل الراي من لون محلي إلى موسيقى عالمية عاد إلى قرطاج حاملا ذاكرة مشتركة بين تونس والجزائر والمغرب العربي. لم يكن الجمهور يستمع فقط إلى أغنيات مثل “ديدي” و“عايشة” و“يا الشابة”، بل كان يستعيد مرحلة كاملة من تاريخ الموسيقى المغاربية الحديثة. وعندما أنهى خالد سهرته بالدعوة إلى “المغرب العربي الكبير”، لم تكن العبارة مجرد تحية، بل كانت امتدادا لفكرة طالما آمن بها الفن، وهي أن الموسيقى قادرة على بناء ما تعجز السياسة أحيانا عن تحقيقه.
أما مع The Jacksons فقد انتقل مهرجان قرطاج إلى بعد عالمي ظل يميز هويته منذ تأسيسه. فالفرقة لم تقدم حفلا موسيقيا فحسب، بل أعادت إلى الجمهور جزءا من تاريخ موسيقى البوب العالمية. ثلاثون سنة بعد زيارة مايكل جاكسون إلى تونس، عاد اسم العائلة إلى المسرح الأثري محملا بالحنين، لكن أيضا برسالة تؤكد أن الأعمال الفنية الكبرى لا تموت برحيل أصحابها. كان الرقص والكوريغرافيا والإضاءة والصور الأرشيفية عناصر متكاملة في عرض أعاد التأكيد على أن الموسيقى لغة إنسانية تتجاوز الحدود واللغات والأجيال.
وفي المقابل، حمل عرض نوردو دلالة مختلفة تماما. فهو يمثل جيلا جديدا ولد فنيا داخل الفضاء الرقمي، لكنه اختار أن يخوض أصعب امتحان، وهو الوقوف على ركح قرطاج. لم يعتمد العرض على نجاح الأغاني في المنصات الإلكترونية فقط، وإنما سعى إلى إعادة صياغة هذا النجاح بلغة أوركسترالية وسينوغرافية أكثر نضجا. كما كشف عن رغبة واضحة في المصالحة بين الموسيقى الشبابية والمؤسسة الثقافية، ليؤكد أن نجاح الفنان لا يقاس بعدد المشاهدات وحدها، وإنما أيضا بقدرته على تحويل الأغنية إلى تجربة حية تتفاعل مع الجمهور مباشرة.


وجاءت سهرة “موسيقات بلادي” لتكمل هذا البناء الفكري للدورة. فإذا كان صابر الرباعي قد احتفى بالأغنية التونسية من خلال الأصوات، فإن الأوركسترا السيمفوني التونسي احتفى بها من خلال اللحن والتوزيع الموسيقي. أعيد تقديم روائع الموسيقى التونسية في صياغات أوركسترالية معاصرة، بما يؤكد أن التراث ليس مادة جامدة، وإنما نص موسيقي مفتوح على قراءات جديدة. ولم يكن حضور الفنانة الفلسطينية رولا عازر خارج هذا السياق، إذ أضاف إلى السهرة بعدا إنسانيا وسياسيا، ليعيد التذكير بأن الفن ظل دائما منحازا لقيم الحرية والكرامة والعدالة.
ومن خلال هذه العروض الخمسة، يمكن استخلاص ثلاثة رهانات كبرى تحكم الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي.
أولها الرهان على الذاكرة، إذ حضرت الأغنية التونسية، والراي، والبوب العالمي، وروائع الموسيقى الوطنية بوصفها تراثا حيا يعاد تقديمه للأجيال الجديدة.
وثانيها الرهان على التنوع، فخلال أقل من أسبوع انتقل الجمهور من الطرب إلى الراي، ومن البوب إلى الراب، ومن الموسيقى السيمفونية إلى الإيقاعات الإفريقية والمتوسطية، في تأكيد على أن قرطاج ظل فضاء تتعايش فيه مختلف التعبيرات الموسيقية.
أما الرهان الثالث فهو المستقبل، ويتجسد في منح الفنانين الشباب مساحة داخل مهرجان ظل لعقود حكرا على الأسماء الكبرى، دون أن يكون ذلك على حساب الجودة الفنية أو قيمة المسرح التاريخية.
لقد أثبتت السهرات الخمس الأولى أن الدورة الستين لا تحتفل فقط بمرور ستة عقود على تأسيس مهرجان قرطاج، بل تحتفل أيضا بفكرة الفن نفسها؛ الفن الذي يحفظ الذاكرة، ويصنع الجسور بين الشعوب، ويمنح الأجيال الجديدة حقها في الحلم والإبداع. وبين أصوات الرواد، وتجارب الشباب، وحضور الموسيقى العالمية، بدا المسرح الأثري وكأنه يستعيد رسالته الأولى: أن يكون فضاء تلتقي فيه الحضارات، وتتحاور فيه الثقافات، وتنتصر فيه الموسيقى باعتبارها اللغة الأكثر قدرة على توحيد البشر.














