مكتب الجنوب الغربي/أحمد مخلوف

من رحم التاريخ البيزنطي العريق وحيث تلتقي نسمات ليالي الجنوب العليلة بصدى الهتافات الفتية، تنفض ڨفصة غبار الروتين لتعلن عن ميلاد فصل جديد من فصول بهجتها الصيفية بين أسوار المسرح الأثري بالبرج… لا تقاس التظاهرات الكبرى بضخامة الميزانيات أو بجوازات سفر الفنانين بل بنبض الوفاء المتبادل بين ركح يعشق التميز وجمهور يؤمن بأن الإبداع الحق يولد من طين هذه الأرض ونبع ثقافتها الوطنية الخالصة.
يومان فقط تفصلنا عن ضربة البداية لواحد من أعرق المواعيد الثقافية في الجنوب التونسي، حيث تستعد الهيئة المديرة للمهرجان الدولي بڨفصة برئاسة الأستاذ رضا الفاهم لإعطاء إشارة إنطلاق فعاليات الدورة “46” التي ستقام خلال الفترة الممتدة من 27 جويلية إلى 20 أوت 2026.. هذه الدورة تأتي محملة بـ15 عرضا فنيا متنوعا، لتطرح في كواليسها نقاشا ثقافيا وجماهيريا واسعا حول خيارات البرمجة وضغوطات الواقع اللوجستي والمالي.
محدودية الميزانية تقصي العروض الدولية
خلال الندوة الصحفية الأخيرة وضع مدير المهرجان رضا الفاهم النقاط على الحروف مصارحا وسائل الإعلام والجمهور بالصعوبات الهيكلية التي واجهت إعداد هذه الدورة. فغياب المستشهرين من القطاع الخاص والإقتصار على الدعم العمومي المحدود (وزارة الشؤون الثقافية، ولاية ڨفصة، شركة فسفاط قفصة والبريد التونسي..) جعل المراهنة على الأسماء الأجنبية والعربية أمرا شبه مستحيل في ظل الإرتفاع المشط لأسعار عقودهم بالعملة الصعبة.
ولم يكن المال وحده العائق الوحيد بل إن “المسرح الأثري بالبرج البيزنطي” على سحره وقيمته التاريخية- فرض حقيقته اللوجستية بطاقة إستيعاب لا تتجاوز 1500 متفرج فقط، هذه الطاقة المحدودة تجعل من المستحيل تغطية تكاليف العروض الدولية الضخمة عبر مداخيل شباك التذاكر وإن بيعت التذاكر عن ٱخرها.
الرهان على الهوية المحلية والوطنية: عين على الإبداع وأخرى على الشباب..
أمام هذه الإكراهات، لم تختر هيئة المهرجان الدولي بقفصة الهروب أو رفع الراية البيضاء، بل أبدعت في تحويل الأزمة إلى فرصة ذهبية للمصالحة مع المنتج الثقافي التونسي وتشجيع الطاقات المحلية والجهوية.
تجلت هذه الإستراتيجية في تقديم برمجة تونسية بحتة حظيت بإشادة قطاع واسع من الجمهور الحريص على دعم الإبداع الوطني.
المهرجان يفتح ذراعيه هذا العام لأبناء ربوع قفصة عبر محطات بارزة مثل سهرة الأغنية الشعبية التي ستؤثثها أصوات محلية أصيلة كالتليلي الڨفصي والأمجد الڨفصي وسماح جلول، ليكون مسك الختام يوم 20 أوت 2026 صوفيّا بإمتياز مع العرض الفرجوي الضخم “شواش الحاضرة” بإمضاء عمر خلف الله والأمجد بلحسن. وفي ذات الوقت حافظت الهيئة المديرة للمهرجان على نبض الشارع الشبابي بمراهنتها على نجاحات شباك التذاكر التونسية، حيث سيكون الجمهور على موعد مع نجم سهرة الإفتتاح مرتضى الفتيتي في سهرة من المتوقع أن تشهد إقبالا جماهيريا قياسيا، إلى جانب حفلات “نوردو” ومغني الراب “كازو” إلى جانب العروض الطربية الرومانسية مع المطربة المتألقة على الدوام يسرى المحنوش ونبيهة كراولي وشيرين اللجمي ونور شيبة. كما لم تغب الفنون الدرامية والسينمائية إذ يصافح المسرح التونسي رواده عبر أعمال متميزة مثل “بامبينو” لبسام الحمراوي
و”جاكراندا” لإبن الجهة نزار السعيدي إلى جانب الفيلم السينمائي “لقشة مالسما”.
إرضاء الأذواق .. غاية لا تدرك..
وفي المحصلة يظل قطاع المهرجانات الصيفية في تونس وخارجها محكوما بقاعدة أزلية مفادها أن “إرضاء جماهير المهرجانات غاية لا تدرك” حيث تتعدد الأذواق وتختلف التطلعات من جيل إلى ٱخر ومن متفرج إلى ٱخر، ويسجل لهيئة الدورة (46) لمهرجان ڨفصة الدولي أنها لم تلهث وراء “الإجماع المستحيل” بل إختارت وبمسؤولية وشجاعة التموقع في صف الواقعية المالية والإنصاف الإبداعي.
هذا الوعي المشترك بين الهيئة المديرة والجمهور الداعم للمنتج المحلي هو الضمانة الحقيقية لإستمرار المشعل الثقافي في ربوع الجنوب الغربي.
البداية مساء الغد…
تنطلق سهرات مهرجان قفصة الدولي ليلة يوم غد 27 جويلية 2026 إنطلاقا من الساعة العاشرة ليلا وسط توقعات بأجواء طقس صيفية منعشة وجميلة تتراوح درجاتها ليلا بين 24 و26 درجة مائوية ومع طاقة الإستيعاب المحدودة للمسرح الأثري ستكون العائلات والشباب ومن الجنسين على موعد مع مواكبة إستثنائية يوصى فيها بالوصول مبكرا لضمان أماكنهم .
لقد أصابت هيئة مهرجان قفصة الدولي في إختياراتها الواقعية والذكية وحولت الحصار المالي إلى عرس وطني محلي يثبت مجددا أن الإبداع التونسي لا يحتاج إلى جواز سفر ليصنع “الفرجة و الفرحة” على ركح البرج الأثري..




