ڨفصة -البيان :مكتب الجنوب الغربي/من أحمد مخلوف

في أجواء مفعمة بالوفاء والعرفان، وتحت ظلال الكلمة الصادقة التي لا تبلى، يعيش المشهد الثقافي بڨفصة اليوم السبت 6 جوان على وقع فعاليات “اليوم الدراسي الإحتفائي المخصص لتدارس وفحص المسيرة الإبداعية والفكرية لشيخ أدباء ڨفصة الكاتب والمربي عبد العزيز فاخت. يأتي هذا “الحدث الثقافي” البارز ليجمع ثلة من النقاد الأكادميين والمبدعين الذين إلتقوا اليوم ليفككوا “شيفرات” نصوصه ويستحضروا أثره التربوي والإعلامي الممتد عبر العقود. وفي غمرة هذا الإحتفاء الذي يعيد الإعتبار لرموز النضال الثقافي في الجنوب الغربي التونسي نفتح هذه الورقة الصحفية في «البيان» لنلقي بعض الأضواء على مسيرة رجل تماهى مع حبر الأقصوصة وصاغ من تفاصيل بيئته أدبا عابرا للأجيال.

منارة السبعينات : تأسيس نادي إبن منظور والإنحياز للمهمشين..
لا تنتهي رحلة الكاتب عند ٱخر نقطة يضعها في قصصه، بل تتواصل في عقول الأجيال التي أضاء لها قناديل المعرفة، وإن المتأمل في المسيرة الأدبية والفكرية الممتدة للمربي والقاص التونسي عبد العزيز فاخت يدرك تماما أنه لم يكن مجرد صانع للكلمات بل كان “بوصلة أدبية” ومؤسسا حقيقيا للمشهد الثقافي والتربوي في مدينة ڨفصة وإمتدادا حيا لعمق الجنوب الغربي التونسي وتاريخه الحافل بالوعي والنضال. لقد إرتبطت مسيرته حينيا بالحراك الثقافي بولاية ڨفصة، ففي فترة السبعينات حين كان حراك الأدب التونسي يبحث عن منابر تنبثق من خصوصية الداخل قاد جهودا رائدة لإعادة بعث نادي إبن منظور الأدبي عام 1972، تحول هذا النادي بفضله من صالون عابر إلى مختبر حقيقي تخرجت منه قامات إبداعية وصحفية بارزة أثثت المشهد الوطني لاحقا. هذا التماهي مع الأرض والناس تجلى بوضوح في مجموعته القصصية الأولى “المشي في الوحل” 1982 والتي مثلت إنحيازا تاما للواقعية الإجتماعية والإلتزام بقضايا الإنسان البسيط الكادح وسط بيئة ڨفصة المنجمية حيث يشير عنوانها مجازيا إلى السير وسط مشقات الحياة اليومية والإصرار على العطاء رغم ثقل الظروف .

من الواقعية إلى ” النبض فى الأصابع”
ومع تطور أدواته الفنية لم تبق تجربة عبد العزيز فاخت القصصية خطية، بل إنفتحت على التجريب والرمزية والتحول الجمالي الذي تجسد في مجموعته الفارقة
“النبض في الأصابع”… في هذه المجموعة تخلص الكاتب من الوتيرة الواقعية الواحدة نحو ٱفاق رحبة من التأمل الفلسفي والمحاكاة الساخرة مقسما شخصياته بين نماذج نمطية ثابتة تجسد قيم الصمود وأخرى نامية تعكس هموم الإنسان المعاصر. هنا تحولت “الأصابع ونبضها ” إلى رمز لفعل الكتابة والمقاومة بالحرف مستخدما شاعرية مقتضبة تطور تيار الوعي لخدمة النص. ورغم هذا البعد الرمزي الكوني ظلت جغرافيا ڨفصة وأزقتها وملامح مناخها القاسي والدافئ في ٱن واحد يشكل الروح المحركة للأحداث خلف الستار .

أثير قفصة : الصوت الذي قرّب الأدب من الناس..
تجاوز عطاء عزالدين فاخت حدود الورق المقروء ليعانق الاثير المسموع عبر إسهاماته المتميزة في “إذاعة ڨفصة” إذ إستخدم “ميكروفون” الإذاعة كجسر ثقافي لتقريب الأدب من المواطن العادي، محولا الصوت الإذاعي إلى أداة لليقظة ونشر الوعي والتعريف بالمبدعين الشبان في جهة الجنوب الغربي. هذا التكامل الفريد بين المربي – الذي شغل خطة قيم عام وأستاذ- وبين الكاتب والإعلامي هو ما جعل الاسرة الثقافية تلتف حوله تقديرا لوفائه وهو ما تجسد بشكل مهيب في الدورة 22 لملتقى القصة المغاربية بڨفصة، حيث كرم عزالدين فاخت بمناسبة بلوغه تسعين عاما من العطاء تحت عنوان”الحب في الأقصوصة المغاربية” ليتوّج رسميا بلقب “شيخ أدباء ڨفصة” في ذلك المحفل البهيج بالمركب الثقافي إبن منظور. وهناك إلتقى تكريم الشيخ بتكريم أصغر كتاب ڨفصة الشبان في مشهدية رمزية تجسد تواصل الأجيال الذي أسس له عزالدين فاخت طوال حياته.

إرث حي لا تطويه السنون..
إن القيمة الحقيقية لمسيرة الكاتب والإعلامي الفذ عزالدين فاخت لا تقاس فقط بما تركه من مدونة قصصية وإبداعية ثرية، بل تتجلى في ذلك الأثر العميق الذي تركه في نفوس تلاميذه وفي الذاكرة الجماعية لمدينته ڨفصة… لقد أثبت هذا الكاتب الفذ أن المثقف الملتزم هو من يحمل هموم مجتمعه ويدافع عن القيم الإنسانية النبيلة دون السقوط في فخ الوعض المباشر.
عبد العزيز فاخت..ستبقى مسيرته شمعة للأجبال وذاكرة حية تؤكد لنا دائما أن الكتابة الصادقة والنضال الثقافي الهادئ هما الركيزة الأساسية لبناء مجتمع واع مبدع ومتجذر في تاريخه.