في يوم من الأيام، وصلت مصر طيارة الرئاسة الجزائرية، وفيها الرئيس هواري بومدين في زيارة رسمية.
لكن قبل ما تبدأ البروتوكولات الرسمية وقبل ما يقابل أي مسؤول في البلد، طلب بومدين طلبا غريب جداً.. طلب يقابل شخصا معينا بالاسم، وهذا الشخص كان الفنان الكوميدي إبراهيم سعفان!
​أصل الحكاية ترجع لسنين سابقة.. عندما ما كان بومدين طالبا جزائريا مغتربا يدرس في مصر، وينام ويقوم في أروقة الأزهر الشريف. وقتها كان إبراهيم سعفان هو صديق العمر، وزميل السكن في المدينة الجامعية؛ يتشاركون الاكل والشرب والمذاكرة.. وكانا لا يفترقان عن بعضهما دقيقة.
​لكن الدنيا “لفت بيهم”..
هواوي بومدين عاد إلى الجزائر، ودخل في معمعة السياسة إلى أن أصبح رئيسا جدللجمهورية ورمزا من رموز الحكام العرب.
والتاني اختار طريق الفن؛ بأدواره اللطيفة، وحضوره الخفيف، ورغم إنه لم يكن نجم صف أول ولا حتى تان، لكنه كان يدخل القلب من أوسع أبوابه.
​ويقول الإذاعي وجدي الحكيم إنه تم تكليفة بالبحث عن الفنان إبراهيم سعفان واحضاره لمقابلة الرئيس الجزائري،
وأضاف: «​نزلت أدور على إبراهيم سعفان عشان أبلغه، ولقيته قاعد في نادي الممثلين، وسارح في ملكوته، ومشغول بالورق والأدوار، ومكنش يخطر على باله أصلاً إن صديق عمره وزميل الدراسة بقى رئيس دولة! فقربت​ منه وقلتله بنبرة غامضة: “قوم معايا يا إبراهيم.. في حد مهم جداً مستنيك وعايز يشوفك.”
فبصّ لي باستغراب وقال:
– “مين ده يا سيدي؟!”
فـابتسمت ومردتش عليه، وخدته من إيده وطلعنا على “قصر القبة”.
و​أول ما دخلنا الصالون الرئاسي، كان الرئيس هواري بومدين واقف مستنيه.
فـإبراهيم سعفان أول ما شافه، ميّز ملامحه على طول، وجرى عليه بحسن نية وعفوية تامة، وحضنه وضرب على كتفه وهو بيقول بضحكة مجلجلة:
– “إيه اللي جابك هنا؟! إيه الشياكة دي.. شكلك كده اشتغلت مع ناس مهمين، الله يسهلك ياعم”
و​قتها كان كل الناس والمرافقين اللي واقفين حوالينا بقوا يبصوا لبعض والذهول على وجوههم!
وهنا، قرب واحد من المسؤولين وبصوت واطي جداً همس في وذن إبراهيم:
– “أستاذ إبراهيم.. ده فخامة الرئيس هواري بومدين.. رئيس جمهورية الجزائر!”
​و​في اللحظة دي.. شوفت على وش إبراهيم سعفان تعبير مش ممكن يتنسي! الصدمة لجمته، وعينه وسعت، وبص لبومدين من فوق لتحت، وقاله من غير تفكير:
– “يخرب بيتك! أنت بقيت رئيس جمهورية؟!”
فـبومدين أول ما سمعها مــات من الضحك من كل قلبه لدرجة إنه كان هيقع على الأرض.
​لكن من اللحظة دي، حال إبراهيم اتقلب 180 درجة!
الهيبة خطفته.. وظهره انحنى شوية، وعينه نزلت الأرض، وصوته بقى بيترعش من الهيبة والبروتوكول.
وكل ما بومدين يكلمه أو يسأله عن أحواله، إبراهيم يرد برعب شديد:
– “الحمد لله يا سعادة البيه.. كله تمام يا سعادة البيه.”
فـبومدين ابتسم وقاله: “لازم تيجي تزورني في الجزائر يا إبراهيم”، فيرد عليه:
– “إن شاء الله يا سعادة البيه.. أمرك يا فندم.”
​وإحنا خارجين من القصر، وماشيين في الممر، لقيت إبراهيم بيكتم غيظه، ومتنرفز جداً، وبص لي وقاللي بمرارة تضحك:
– “يا أخي.. أنا حتى في صحابي حظي أسود من قرن الخروب!”
ضحكت وقلتله: “ليه بس يا إبراهيم؟ ده صاحبك بقى رئيس دولة يعني ظهر وسند!”
فـهز راسه وقاللي بحسرة كوميدية:
– “يا عم سند إيه! يعني أول ما ألاقي صاحب عمري بعد السنين دي كلها، ألاقيه بقى رئيس جمهورية؟! طب يا أخي ليه ما يبقاش مخرج إذاعي ولا مسرحي.. يديني دور أكل منه عيش!”
​رحم الله الرئيس الجزائري هواري بومدين، والفنان الطيب.. إبراهيم سعفان.