بنزرت، من الحبيب العربي

ألمُبعَدون،  وثيقة تاريخية جديرة بضمّها لبرامج التدريس في معاهدنا التربوية..

لكل مكان تاريخ..  ولكل إنسان ماض له في علاقة بكل مكان.  

وبمنطق الأوطان، من كان بلا ماض له مع مكانه الذي يُدعى الوطن، كان بلا حاضر آمن وبلا مستقبل زاهر..

في بنزرت، ومنذ الأزل، كان، وما يزال، حب “البنزرتي” لأصله.. لمنشئه.. لرقعته الجغرافية التي زُرِع فيها ليتعلق بها وليسميها “وطن” كان حبا بلا حد ولا نهاية..

كان حبا يدفع صاحبه للذّود عن حِماه مهما كان الثمن..  حتى لو اقتضى الأمر التضحية بالحرية والمال.. وبالنفس والنفيس..  ولذلك، تتعاقب في بنزرت الأجيال..

وفي كل جيل يولد الأبطال الذين يرفضون سطوة المحتل الغاصب..

فيثورون عليه رافضين ماله وكل إغراءاته.. بما فيها الثروة والمناصب..

عودوا لتاريخ هذه البلاد وسيحدثكم الماضي عن زعماء النضال.. من أبناء بنزرت الذين اختلطت دماؤهم بدماء الشهداء الأبرار في كل محطة وطنية من أجل أن فازت بلادنا بالإستقلال.. ومن أجل أن ننعم به نحن اليوم كبارا مع الصغار.. شيبا مع الأطفال.. ونساءً مع الرجال..

فهل تذكرون من هم أبناؤنا الذين ذابوا كي ننعم نحن اليوم بالنور بعد أن دَحروا هم الظلام ؟..

هل ذكر التاريخ أسماءهم جميعا في ذاكرة الأجيال المتلاحقة بعد 1956، سنة الإستقلال ؟..

للأسف الشديد، وثائقنا الرسمية أسقطت أقلامُها أسماءً بعينها لأبطال وابطال..

لماذا ؟..

وللأسف الأشد من الأسف السابق،

إدارة عهد ما بعد التحرر والانعتاق شاءت أن تُغيّب عن ذاكرتنا أسماء رموز بالذات من أبناء جهة بنزرت ولا لشيء إلا لأنهم كانوا مختلفين في الرأي مع من قادوا الحركة النضالية من حيث تقدير سبل التخلص من المستعمر..

فكانت بداية مرحلة التهميش في الإعتبار بطمس كل ما كان لهم من آثار..

تعاقبت السنين والعقود..

وصار المناضلون المنسيون أجمل ذكرى جدود.. في عيون أحفاد معتزين بما أنجزه أباءهم وأجدادهم بغاية كسر القيود..

ومن بين هؤلاء، أبناء جيل اليوم، أستاذ الفلسفة الجامعي، الدكتور فوزي الصدقاوي، ابن المناضل في الحركة الوطنية التونسية المرحوم قدّور الصدفاوي..

الأستاذ فوزي كان دوما مهووسا ببنزرت، موقعا وتاريخا.. ورمزا للحياة..

فكان أن نبش في ماضي والده ومن شابهه في حب تونس..  بحث.. وبحث… واكتشف أن لبنزرت رجالا وطنيين صادفين انضموا منذ نعومة اظافرهم لسلك الحركة الوطنية مقاومين المستعمر..

معظمهم انضموا للحزب الدستوري..

أقضّوا مضجع المستعمر الفرنسي فنفاهم وأبعدهم عن ديارهم..

بعضهم مكث السنوات الطوال بعيدا عن مدينته الأصل بنزرت، في أماكن مختلف من البلاد آلتونسية.. وبعضهم الآخر نفتهم فرنسا خارج الحدود..

الذين بحث عنهم الأستاذ الدكتور فوزي هم المنفيون فيما بين 1938 و1944..

من هم بالتحديد ؟..

كيف كانت تشأتهم قبل الإنضمام للحركة النضالية الوطنية .؟؟..

أثناءها ؟..

وبعد الحصول على الإستقلال ؟..

ولماذا لم تذكرهم كتب ووقائق تونس المستقلة؟..

ذلك هو محتوى كتاب “المبعدون” لمرلفه فوزي الصدقاوي..

وقد كان لي شرف حضور تقديمه يوم الجمعة 23 جانفي 2026 بالمركب الثقافي “الشيخ ادريس” ببنزرت على هامش الدورة 23 من معرض الكناب ببنزرت لسنة 2026..

خلال ندوة التقديم كان للأستاذ عماد الدهماني شرف موافاة الحاضرين، ومعظمهم من أساتذة في الثانوي والجامعي بقراءته الجيدة للكتاب الذي يمكن القول بشأنه انه وثيقة تاريخية نادرة تتحدث عن أبناء ينزرت المبعدين قسرا من طرف الإستعمار والمنسيين عنوة بعد الإستقلال..

وتعميما للفائدة، نحاول في ما يلي نقل ما جاء في “تقديم” الأستاذ عماد الدهماني لكناب فوزي الصدقاوي..

يقول الأستاذ عماد من بين ما يقول تحت عنوان :

تطويع المعرفة الأكاديمية في التاريخ الى معرفة مدرسية على هامش تقديم كتاب “المبعدون،

الإبعاد السياسي تجاه وطنيي جهة بنزرت، 1938-1944″

للأستاذ الجامعي الدكتور فوزي الصدقاوي..

1- ماهية التاريخ :

الأصل الإغريقي لكلمة التاريخ هو “ايستوريا- Istoria” وقد ظهر خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد حسب المؤرخ “روزنتال’- L.Rosenthal” وتعني البحث عن الأشياء الجديرة بالمعرفة ” من نظم سياسية، اجتماعية وقوانين،..

أما الباحث الفرنسي”لو قوف- Le Goff” فهو يعتبر ان الجذر الإغريقي ايستور-istor يعني الشاهد او البصير او الباحث عن المعرفة وتحقيقها حيث أصبح التاريخ أبحاثا وتحقيقات ..

وفي القرن الرابع عشر ميلاديا، أصبح التاريخ علما مع عبد الرحمان ابن خلدون من خلال مقدمته الي يقول فيها على الخصوص

“التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق” ..

بعد ذلك، تطور هذا العلم مع عصر النهضة والتنوير ..

2- غاية دراسة التاريخ ومنهجيته :

لماذا وكيف ندرس التاريخ ؟

الجواب على هذا السؤال بسيط،

هو لاكتساب المعرفة من خلال تاريخ الحضارات والشعوب عالميا، قطريا وجهويا..

وفي إطارنا الجهوي اليوم، كان كتاب “المُبعَدون” الذي مثّل إضافة معرفية قيّمة وجدية للمكتبة التاريخية الجهوية والوطنية والإنسانية في بلادنا تونس، إذ تعرّض المؤلَّف لفترة ما بين 38-44 من القرن الماضي، هذه الفترة التي لم تجد حظها كثيرا في التاريخ الوطني..

الكتاب بيّّن خلال السنوات الست المذكورة مدى ما عانته جهة بنزرت ومناضلوها من قمع من قِبل الاستعمار الفرنسي وخاصة مسألة الإبعاد والنفي داخل الوطن وخارجه (غار الملح-Porto Farina، القطار من ولاية قفصه، لمباز بالجزائر، سان نيكولا،وتراتز بفرنسا)،

والمُبعَدون نذكر من بينهم الحبيب بوقطفة، قدور الصدقاوي “حمامة”، أحمد بن صابر، بوبكّر بكير، احمد الدّهماني، الطاهر الزاوي. وغيرهم كثيرون..

وهو ما يتقاطع مع عديد المحطات التي يدرسها التلميذ في مرحلة التعليم الثانوي خاصة حول ابعاد الوطنيين من طرف الاستعمار الفرنسي في هذه الفترة وغيرها في العشرينيات مثل ابعاد الدستوريين كعبد العزيز الثعالبي سنة 1923 وبعض الأعضاء النقابيين المنتمين لجامعة عموم العملة التونسيين في صائفة 1924 مثل محمد الخميري وكذلك محمد علي الحامي الذي وقع نفيه في فيفري 1925..

وفي الثلاثينيات تم ابعاد أعضاء الحزب الجديد الى برج الباف (برج القصيرة التابع لولاية تطاوين) في سبتمبر 1934 ..

ثم كان الدور على نفي بورقيية ومحمود الماطري مع إبعاد بعض المناضلين البارزين بعد أحداث افريل 1938 الى سجن سان نيكولا بمرسيليا بفرنسا، الحبيب بورقيبة ومحنود الماطري، من جديد، وصالح بن يوسف وغيرهم..

وفي الأربعينيات، أبعد المستعمر الفرنسي كذلك المنصف باي بعد أن تم عزله في ماي من سنة 1943 الى “الأغواط” بالجزائر ثم إلى “بو” بفرنسا..

وفي الخمسينيات يواصل الإستعمار الفرنسي سياسته القمعية الإبعادية حيث تم من جديد نفي بورقيبة والمنجي سليم الى طبرقة في جانفي 1952..

أ- يمكن ان يقدم الكتاب بهذا الزخم من المعطيات حول مسألة الابعاد إضافة تسد ثغرات برامج التاريخ المدرسي.

ب : على مستوى المنهج: دراسة التاريخ تقوم على المنهج العلمي الموضوعي بإستقراء ، تحليل، شرح، نقد الوثائق مع إعادة هيكلة الأحداث وهو ماطبقه الدكتور فوزي الصدقاوي باتباع منحى المؤرخ العقلاني بمنهجية علمية صارمة في اختيار الوثائق ومقارنتها الى جانب تحقيقها، فكانت الاستنتاجات تقترب من الموضوعية متجردة من نزعته الذاتية رغم الإنتماء للجهة والقرابة العائلية والدموية خاصة عند دراسة حالة ابيه المبعد “قدور الصدقاوي، “حمامة” .

أما في علاقة بطريقة تدريس الناشئين للتاريخ، فإن المقاربة التعلمية تقوم على الاستقراء وإعادة تركيب الأحداث والمقارنة والاستنتاج والنقد بأفكار وأطروحات أخرى وهو ما يتقاطع مع عديد الوثائق الموجودة في كتاب “المبعدون”

كما يمكن توظيف بعض وثائق الكتاب في الكتب المدرسية لثرائها وجهد الباحث في جمعها ودراستها، كما يقول المؤرخ الهادي التيمومي “ان الباحث في التاريخ يقتل بحثا” . فالباحث فوزي الصدقاوي تكبد مشاقا متنوعة. – فكريا : صعوبة الغوص في مصادر وارشيفات متنوعة لتحويلها الى معرفة مدونة. – مشقة نفسية وعاطفية من خلال الغوص في أرشيف العائلة وآلامها، حيث نلاحظ شجاعة في الغوص في الأرشيف الفرنسي وهو ما اعتبر محضورا شأنه شأن الأرشيف الوطني الرسمي بحكم ان الكتابة في الحركة الوطنية كانت آحادية.

ج – المستوى الوجداني، القيمي، التربوي لدراسة التاريخ.

– الاعتزاز بالشخصيات الوطنيةوتثمين نضالاتها وهو ماظهر من خلال الكتاب الذي تعرض لشخصيات عانت صنوف العذاب الجسدي والنفسي مثل رسالة أحمد بن صابر من منفاه بمجاز الباب ، روى فيها معاناته وطلب الرجوع لعائلته والموت في بيته. لكن لم تستجب السلطات الفرنسية لذلك بطبيعة الحال بل هي رحّلته من جديد الى منطقة القطار من ولاية قفصه في ماي 1940.

هذا ما ورد بالصفحة 165 وهو ما يتقاطع مع مايدرسه التلاميذ من قمع المستعمر للوطنيين مثال ما حدث في بداية الخمسينيات مع سياسة المقيم العام “دي هوت كلوك”.

– الاعتزاز بالهوية الوطنية : الإنتماء لأمة وطنية ترفض الإستعمار وتقاومه، يظهر في الدروس من خلال المقاومة المسلحة التي انطلقت من بنزرت منذ خطاب بورقيبة بساحة “البياصه” 13 جانفي 1952ومعركة الجلاء جويلية 1961 لإتمام السيادة الوطنية. – بناء الذاكرة والهوية الوطنية Identité. لأن من لا ذاكرة له لا وجود ولا هوية له، تماما كما جاء في علم الطب “فاقد الذاكرة لا يعمر طويلا”.. فبنزرت باقية شامخة والوطن كذلك لأن لهما ذاكرة وتاريخا. أليست ذاكرة الشعوب هي مستقبلها ؟

ألم يقل “إيمي سيزار” شعب بلا ذاكرة لا مستقبل له.. فدراسة التاريخ بعِبره ودروسه ليست حنينا أو ترفا فكريا بل هي فهم للقضايا الراهنة ومعالجتها. ألم يقل المؤرخ “لويس التيسار” دراسة الماضي تمكننا من فهم الحاضر..

في هذا الإطار كانت دراسة الدكتور فوزي الصدقاوي كشفا وتحقيقا لممارسات إستعمارية وجبت دراستها بكل موضوعية..

هذه الدراسة هي بداية لدراسات جهوية جديدة ومراكمتها في جهات أخرى تأسيسا لوعي جديد للناشئين، يتسلح بشروط الارتقاء ويرفض القابلية للاستعمار على قول “مالك بن نبي” : لا تُستعمَر إلا إذا كنت قابلا للاستعمار”. أليست دراسة التاريخ هي الحرية؟..

هذا أهم ما سجّلناه في تقديم الأستاذ عماد الدهماني لكناب “المبعدون” لفوزي الصدفاوي.

الحبيب العربي