
● من الفكرة إلى التأسيس :
يبحر كلّ فناّن بعمق خاص وبأسلوب مختلف عن الآخر ومهما تعدّدّت الخامات والوسائط والألوان، من أجل أن تتمحور غايته حول كيفية إيصال فحوى العمل الفني إلى المتلقي، وكل عمل له قصّة مختلفة معبّرة عن مشاعر الفنّان بطريقة يفهمها المتلقي قد تلامس ما بداخله وتعبّر عنه أيضا. وتُعدّ الفكرة الذاتية لأي فنّان هي أساس العمل الفني وهي التي تميّز أعماله عن غيرها، فهي فعل ذاتي متحرّر من كل العوامل الخارجية، يكمن منبعها في ذاتها، وتكمن القدرة اللامتناهية للفنان المعاصر على خلق أفكار جديدة، واقعية وخيالية في نفس الوقت وعلى التعامل مع أي مادّة أو واقعة أو معاناة أو فكرة، وعلى تنظيم هذه الأشياء وتنسيقها طبقا للفكر الجمالي، وعلى تكوين انسجام منها، وجعل كل واقعة حياتية أو حادثة أو معاناة كإبداع تشكيلي بحت يبحر بنا المعرض الجماعي “توهّجات” الذي أُقيم مؤخرا بدار الثقافة نور الدين صمود إلى التأمٌل في ملامح التنصيبات التي ابتدعتها الفنانة التشكيلية وفاء الزواوي، محاولة عبر تنصيبات بلورية متداخلة مع مادتي الخشب والحديد وأساسا مادة البلور التي عكست باقتدار تفاصيل الحياة اليومية والإختلاجات الإنسانية بمختلف حركاتها في شكل كتلة شفافة لحالات من المعيش لشخوص تفقه وجودهم او تعترضهم بالصدفة في لحظات فارقة بين الحلم واليقظة، قد تخفي مشاعر واحاسيس تراوح بين الحبّ او القلق وقد تضمر لنا سعادة انتظرناها طويلا.. بتلك المعايير والمواصفات تتسع رقعة تنصيبات الفنانة وفاء الزواوي لتسامق اعلى من خطانا وتنحت لها سحابة في السماء أو تتأبط التراب التعرٌي فيض مشاعرنا الخفية، أو وقائع مشهدية تتخبٌط بين الحقيقية والزيّف







● فنانة مخاتلة بأمهات أفكارها :
خاتلتنا بقدراتها الإبداعية وراوغتنا عديد المرات وفاء الزواوي لالتقاط أمهات أفكارها التي نسجتها في زوايا بلوراتها فالصور الفنية تكاثرت على رمال البحر المتحركة لتصنع غموضها الفاتن، قد نفهمها ولكن لا ندركها، وقد تحدٌد لنا مواقيت من زمن مجهول وقد تفقه جليا أحداثها ومساراتها ولعلي بذلك أقدٌر وأثمٌن لوحات الفنانة التشكيلية وفاء الزواوي إلى درجة انخراطها في بوتقة الأعمال الفنية المعاصرة التي تفتح باب التأويلات على مصراعيه.
● تنصيبات .. وتأملات:
مازلنا بحاجة إلى مزيد التمعٌن في مناخات اللوحات البلورية المستنبطة من إحساس الفنانة المدهشة وفاء الزواوي نحتاج إلى العودة ثانية حتى نُكوّن انطباعا نهائيا عن اختلاجات الشخوص والتفاصيل التي تركت لدى المتأمل فيها عديد التساؤلات والنهايات المعلٌقة فالكثير من التنصيبات مثلت اختبارا ناجحا لرسامة محترفة تؤسس لموقعها باستحقاق عودا على رؤيتها التشكيلية المتفردة التي تستحق أكثر من مقاربة نقدية في شأنها. ساهم فنّ التنصيب في فتح الباب واسعا أمام مادّة البلور لما لها من طبيعة خاصة وصفات مميّزة وإمكانيات تشكيلية متنوعة تختلف عن الخامات الأخرى، والتي يمكن تحويلها من مادة صلبة إلى سائلة أو العكس، إنها الأكثر غموضاً وسحرًا من جميع المواد التي اكتشفها الإنسان، لما تمتاز به من خصائص فنية فريدة قد لا تتوفر في خامات أخرى من قبيل التفاعل المتبادل بين الشفافية وانعكاس وانكسار الضوء التي تعكس بدورها طاقة خامة البلور الداخلية كالصلابة والليونة والخفّة والثقل ودرجة امتصاص الضوء. لقد سعى هذا المعرض إلى إخراج مادة البلوّر من بساطتها وتوظيفها داخل علاقة دينامكية وتفاعلية قائمة بين الفعل والمادة بعملية تزاوج بين الألوان والخامة والشكل والتقنية وإحالتها في حوار مع الزمان والمكان و الواقع. كما استعملت في بعض الأعمال المعروضة تقنية “الرسم على البلور” وهي تعتبر أحد الفنون القديمة، والتي كان لها حضور مميّز في تاريخ الفنون الشعبية التونسية وقد استخدمت قديما لإضافة رونق مميّز على بلور الكنائس والقصور وذلك باستخدام أساليب معيّنة للرسم وإظهار اللوحات الفنية على البلور والمرايا. وتتمثّل هذه التقنية في تحديد الرسم على البلور ثم تركه حتى يجفّ بالكامل وبعد ذلك نقوم بالتلوين باستخدام الفرشاة والألوان الخاصة بمادة البلور، وتركها تجفّ في مكان جاف وحار لمدّة 24 ساعة، وقد قمنا بإضافة طبقة من الريزين فوق سطح اللوحة حتى نحافظ على بقاء الألوان لفترة زمنية طويلة. كما استعملت تقنية الصهر ( Fusing)في التنصيبات وتتمثل هذه التقنية في وضع قطع بلورية يتمّ اختيار شكلها ولونها حسب الغرض ويتمّ تذويبها جزئيا باستعمال درجات حرارية مرتفعة في فرن كهربائي لتستقيم اللوحة الفنية.
