توزر-البيان: مكتب الجنوب الغربي/ من أحمد مخلوف

إختتم وزير السياحة والصناعات التقليدية سفيان تقية زيارته الميدانية إلى ولاية توزر بالإشراف على فعاليات الملتقى الجهوي الأول لتقييم القطاع السياحي ورسم أفاق تطويره.
وقد شهدت هذه المحطة سلسلة من المجالس والورشات التشاركية المكثفة، وضمت هذه اللقاءات والي الجهة شاهين الزريبي وممثلي المجتمع المدني وأعضاء مجلس النواب كما شارك فيها كبار الفاعلين في القطاع من أصحاب النزل ورؤساء وكالات الأسفار بهدف وضع خارطة طريق لإنقاذ السياحة الواحية والصحراوية بالجريد.

وقد تمخضت هذه اللقاءات عن حزمة من القرارات والمقترحات الجريئة، لكن خيّمت على كواليس الملتقى هواجس ومخاوف جدية عبّر عنها الحاضرون وتتعلق هذه المخاوف من إحتمال بقاء هذه القرارات “حبر على ورق” لتلقى ذات المصير الذي واجهته مخرجات وعود سياحية سابقة في سنة 2024.

قرارت المجلس الجهوي للسياحة: تفكيك العقد وبداية التنفيذ الميداني..
هذا وقد أثمرت الجلسات الرسمية عن صياغة إستراتيجية تنفيذية فورية، قادها الوزير وركزت عن الاولويات الإستثمارية والتنظيمية التالية:
ففيما يتعلق بملف النزل المغلقة فقد تم إقرار مقاربة قانونية ومالية مرنة لحلحلة الديون والنزاعات الاقتصادية التي تسببت في إغلاق الوحدات الفندقية، وتوج هذا التوجه بالإشراف على إعادة الإفتتاح الرسمي لنزل “تمغزة بلاص” الشهير بعد سنوات من الإغلاق والوقوف عن اللمسات الأخيرة لتجديد نزل “توزر.بلازا” بكلفة تناهز 15 مليون دينار.
كما تم في إطار “هيكلة الأنشطة والمسالك البديلة” الإعلان الرسمي عن إدراج “القرية الحرفية قسطيلية” بتوزر ضمن المسالك السياحية المعتمدة لدعم الحرفيين المحليين، بالإضافة إلى تنظيم ٱليات رحلات عمق الصحراء وتأمينها بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والحماية المدنية.
أما فيما يتعلق بالربط الجوي والأسواق الجديدة فقد تم تثمين الإنتعاشة الحالية التي يشهدها مطار توزر نفطة الدولي عبر إستقبال وفود من اسواق غير تقليدية كالأسواق الصربية والرومانية، والإلتزام بزيادة وتيرة خطوط النقل البري والجوي لتسهيل عمليات تدفق السياح.
أما بخصوص تأهيل البنية التحتية والبيئية فقد تم إطلاق حملات صيانة عاجلة شملت ترميم موقع “عنق الجمل” التاريخي بمعتمدية نفطة إلى جانب تفقد المشاريع الترفيهية والمؤسسات السياحية لرفع درجة منظومة التأمين الذاتي وجودة الخدمات.

قرارات هامة لفك عقال الإستثمار بالجريد..
وفي هذا الإطار شهدت ورشات العمل نقاشات صريحة قدم خلالها أرباب النزل وأصحاب وكالات الأسفار ونواب الشعب جملة من التصورات العملية، حيث طالب أرباب النزل ووكلاء الأسفار بضرورة تخفيف الأعباء الضريبية وتسهيل الحصول على تراخيص التمويل لإعادة صيانة الفنادق المتعثرة من فئة الـ4 نجوم، كما دعوا إلى خلق شراكات ترويجية مباشرة مع متعهدي الرحلات العالميين لضمان إستمرارية الحجوزات طوال العام بدلا من المواسم المتقطعة.
وركزت مداخلات نواب الجهة والمجتمع المدني على ضرورة فض الإشكالات العقارية المعقدة للأراضي الفلاحية والواحية للسماح بإنشاء مشاريع الإيواء البديل والمستدام، فيما شدد نشطاء المجتمع المدني على أهمية تثمين الموروث الثقافي والطبيعي وصناعات خشب النخيل لضمان توزيع عادل لعائدات السياحة على أبناء المنطقة.

شبح وعود 2024 يخيّم على فعاليات النقاشات..
رغم الأجواء الإيجابية والقرارات المعلنة فقد سادت ردهات الملتقى حالة من التخوف المشترك بين أبناء الجريد والمهنيين، إذ أبدى العديد من الحاضرين خشيتهم من ان تظل هذه المخرجات رهينة أدراج المكاتب المركزية والجهوية، تكرارا لسيناريو قرارات 2024 التي تعثرت إداريا وتمويليا ولم يلمس منها المواطن الجريدي تغييرا جذريا على أرض الواقع. وقد أكد ممثلو الجمعيات أن غياب الجداول الزمنية الدقيقة وٱليات الرقابة الصارمة في السابق هو ما أجهض المخطط السابق.

وردا على هذه المخاوف أكد وزير السياحة سفيان تقية أن الوزارة تبنت هذه المرة ٱلية متابعة ومراقبة دقيقة ومستمرة ومباشرة لتنفيذ هذه التوصيات وذلك بالإعتماد على شراكة حقيقية تمنح المجتمع المدني والمهنيين دور الرقيب لضمان تحقيق النقلة النوعية المنشودة سياحيا وإقتصاديا بالجريد.

بين الترحيب الحذر والتفاؤل المشروط
عكست زيارة سفيان تقية وزير السياحة في الشارع المحلي بالجريد مصفوفة من المشاعر المتضاربة التي راوحت بين الإرتياح الميداني والترقب الحذر ويمكن تصنيف إنطباعات أبناء الجريد والمهنيين إلى مسارين:

*إرتياح لخطوات واقعية وملموسة
في هذا الإطار قوبل قرار إعادة الفتح الفعلي والملموس لنزل “تمغزة بلاص” والتقدم الملحوظ في أشغال نزل “توزر بلازا” بترحيب واسع من الأهالي في تمغزة وتوزر ودقاش ونقابات العمال، لما يمثله هذا القرار من بارقة أمل لإمتصاص البطالة وخلق مواطن شغل مباشرة للشباب، كما أبدى”حرفيو” “القرية الحرفية قسطيلية “بتوزر تفاؤلا كبيرا بإدماجهم في المسلك السياحي الرسمي معتبرين الإستجابة لمطالبهم خطوة هامة لإنقاذ المنتج التقليدي من الركود.

*تخوف مشروع ومطالبة بضمانات حقيقية.
في المقابل ساد تيار من التشكيك لدى جزء من ناشطي المجتمع المدني الذين أكدوا لـ«البيان» أن شبح وعود 2024 يقتضي عدم الإكتفاء بالزيارات الإستعراضية بل رؤية جداول زمنية صارمة، كما شدد أبناء الواحات على أن إنعاش السياحة الواحية يتطلب أولا إنقاذ الواحات من شح المياه والتدهور البيئي، وهو ما يجعل تفعيل ٱليات الرقابة التشاركية الجديدة المحك الرئيسي لكسب ثقة أبناء الجريد.

آليات رقابية صارمة لتجاوز “شبح وعود ” 2024..
هذا ولضمان كسر البيروقراطية وتفادي سيناريو سنة 2024 أقر المشاركون خلال حراك الورشات المقامة وخلال فعاليات المجلس الجهوي وغيرها من الفعاليات حزمة ٱليات رقابية صارمة تشمل إحداث لجنة قيادية مشتركة تضم المجتمع المدني والمهنيين لمتابعة المشاريع شهرا بشهر وعقد جلسات تقييم علنية دورية كل 3 أشهر بمقر الولاية ورفع تقارير رقابية مباشرة من المندوبية الجهوية للسياحة إلى مكتب الوزير شهريا مع تفعيل الدور الرقابي والاسئلة البرلمانية لنواب الشعب بمجلس النواب وتهدف هذه التدابير الإستثنائية التشاركية إلى ضمان التنفيذ الفعلي للمشاريع وإعطاء المجتمع المدني سلطة الرقيب لضمان تحقيق النقلة النوعية المنشودة سياحيا وإقتصاديا ولاية توزر.
طفرة سياحية إيجابية وقياسية تنعش الٱمال
لم تعد خطط إنعاش القطاع السياحي مجرد تطلعات مستقبلية بل ترجمتها المؤشرات الرقمية المسجلة حتى منتصف شهر ماي 2026 إلى واقع إقتصادي ملموس يعزز من منسوب التفاؤل بالجريد، إذ كشف أحدث البيانات الرسمية للبنك المركزي التونسي والمندوبية الجهوية للسياحة بتوزر عن قفزة نوعية على المستويين الوطني والمحلي.

قفزة نوعية في عدد الوافدين والليالي المقضاة بالجريد.
تؤكد مصالح المندوبية الجهوية للسياحة بتوزر ان الجهة سجلت نموا لافتا في عدد السياح الوافدين وذلك بنسبة 18,4% ليصل عدد الوافدين إلى 53,587 وافدا بالتوازي مع زيادة في الليالي المقضاة بنحو 10% لتسجل ربوع الجريد بذلك 83,767 ليلة مقضاة حتى موفى شهر ماي المنصرم .
هذا وشهدت نزل الجهة حضورا قويا للسياح، تصدرته السوق الفرنسية في المرتبة الأولى كأبرز وافد أوروبي تقليدي تليها السوق البولونية كقوة صاعدة في سياحة العبور والرحلات الصحراوية ثم السوق الإيطالية التي سجلت نسبة إشغال متقدمة تليها السوق الألمانية المحافظة على إستقرارها في سياحة المغامرات.

دينامكية سياحية صيفية واعدة..
هذا وتتوقع مصالح المندوبية الجهوية للسياحة بتوزر إستمرار هذا النسق التصاعدي بنمو يتراوح بين 5 و6% خلال الموسم الصيفي الحالي مدفوعة بعودة سياحة الاعمال والمؤتمرات والرحلات الجوية المباشرة وطائرات الوفود الخاصة عبر مطار توزر نقطة الدولي.