يشهد المتمعٌن في تجربة الرسامة المتألقة إخلاص الأسود التي تؤثث مساحتنا الإبداعية بثقة عالية يلحظ منذ الوهلة الأولى هَوَسَها اللامحدود بطقوس الفن التشكيلي ومشتقاته.

وفي عودة لمنشأ الرسامة إخلاص الأسود قد انتبذت لها مقاما ينبض بالحياة، وسط بيئة بسيطة يخاتلها بالسحر كمٌ غزير بالألوان. فكانت ترى منذ طفولتها، في الرسم أكثر من هواية، بل وسيلة لفهم ذاتها والتعبير عن مشاعرها العميقة تجاه فسحة فاتنة راوحت بين الألوان التي كانت لغتها الأولى، والخيال الذي مثل مرآة هذا العالم الذي احتمت به لتصنع منه واقعًا أجمل وأرحب. لم تكن حياتها سهلة من البداية؛ فقد خاضت تجارب صعبة ومحاولات مستمرة لافتكاك مكان مرموق لها في المشهد التشكيلي الممتلئ بالأسماء والمناخات، لكنها تسلٌحت بالتحدي وقاومت بإصرار وإيمان كبير بحُلمها..
بعد دراستها الأكاديمية طوّرت الرسامة اخلاص الأسود تقنياتها الفنية وصقلت أسلوبها التشكيلي، دون أن تفقد تلك الروح الحرة التي تميزها منذ بداياتها. انطلقت رحلة إخلاص الفنية بالمشاركة في العديد من الأنشطة والمعارض المحلية والجهوية التي عرّفت الجمهور على أسلوبها المميز، ولم تقتصر مشاركاتها على المعارض داخل القاعات، بل أصبحت أيضًا ترسم الجداريات في كل مكان تزوره، ناشرةً الألوان على الجدران لتمنح الفضاء العام حياةً جديدة ولمسة فنية تعبّر عن روح المكان فتجمٌله بلمستها لتدخله قلوب الناس دون استئذان إذ تحمل جدارياتها رسائل رمزية عن الجمال، الحلم، والطاقة الإيجابية، فتجعل من الفن وسيلة تواصل يومية بين الفنان وما جاور المجتمع من حراك الفصول وسكينة الأحاسيس التي اختمرت بالفنانة وفرشاتها .
يقوم أسلوب إخلاص الأسود على الرمزية السريالية والفانتازيا التجريدية، حيث تمتزج الحكاية بالرمز، والخيال باللون، في لوحات تنبض بالعاطفة والتأمل. و بين اللحظة والأخرى تنتفض المرأة في أعمالها متجاوزة اعتبارها مجرد شكل، بل تسامق شامخة بؤبؤ لوحاتها اقرب إلى رمز للروح والطاقة الكونية، تظهر في فضاءات حلمية تتخللها عناصر من الطبيعة والضوء والحروفية العربية التي تُستخدم بين أطراف القماشة نزرا من الخطوط والحركات الانسيابية لتكوين فضاءات روحية تتجاوز الواقع نحو عالم داخلي أعمق وانقى .. يستقيم اللون في أعمال إخلاص الأسود اقرب إلى جوهر التعبير وعمق الإحساس.. تتعامل معه كما يتعامل الشاعر مع اللغة في قصائده فكل درجة تحمل معنى وشعورًا. نستقرؤها عبر جولتنا بين حنايا الوان لوحات التشكيلية إخلاص الأسود فيطالعنا الأزرق ليعكس صفاء الروح والعمق النفسي. ويمثل اللون البرتقالي سمات البعث والتوق لحياة جديدة. أمٌا الوردي والبنفسجي فيمثلان نغمة الحلم والأنوثة والتوازن. من ذلك الأحمر القرمزي الذي يعكس نبض الشغف والحركة الداخلية. هذا المزج بين الألوان الدافئة والباردة يمنح لوحاتها إيقاعًا بصريًا روحيًا، يجعل المشاهد يشعر أنه أمام طاقة وليست مجرد صورة ثابتة . لقد استلهمت إخلاص الأسود خلال رحلتها مع الرسم من عدد من الفنانين العالميين والتونسيين الذين تركوا أثرًا واضحًا في رؤيتها التشكيلية على غرار كل من :غوستاف كليمت (Gustav Klimt): في استخدام الذهب والزخرفة لتجسيد الجمال الأنثوي والرمز. ثم زفريدا كاهلو (Frida Kahlo): في الصدق العاطفي وتحويل التجربة الشخصية إلى عمل فني عميق.




في حين مثلت مناخات نادية بن سعيدة نفسا قويا مضافا في جانب الحس الرمزي والتصوير الروحي للمرأة والطبيعة. دون التغافل على الفنان سامي بن عمار في التعامل مع اللون كقوة وجدانية لا كعنصر بصري فقط. كما تلتقي رؤيتها مع نجا المهداوي في توظيف الحرف العربي كعنصر رمزي روحاني، ومع راقية حمزة في تمجيد الطاقة الأنثوية والحركة داخل التكوين. كما تطمح إخلاص الأسود إلى أن تصبح فنانة تشكيلية عالمية، وأن تفتتح معرضها الشخصي الذي يجمع خلاصة تجربتها الفنية ومسيرتها في رحلة البحث عن النور. ترى إخلاص أن الفن ليس مهنة، بل طريق نحو الشفاء والوعي والحرية، وأن اللوحة ليست مجرد سطح ملوّن، بل نافذة على الروح. فهي تؤمن أن كل تجربة، حتى المؤلمة منها، تتحوّل إلى ضوء حين تُترجم بالألوان، وأن الفنان الحقيقي هو من يجعل الآخرين يشعرون بما لا يُقال.. إنْ المتأمٌل في رحلة إخلاص الأسود التشكيلية ينتبه بوضوح انها ليست مجرد مسيرة فنية عادية بل تتجاوزها إلى سرد روحي بلغة اللون. فمن جدران القرى الصغيرة إلى قاعات المعارض، ومن التجارب الصعبة إلى لحظات الإلهام، ظلت تحمل في قلبها رسالة واحدة “أن الفن نورٌ يولد من الصدق، وأن الحلم، مهما بدا بعيدًا، يمكن أن يُرسم بالألوان حتى يتحقق ونلتمس تواجده في تفاصيلنا الحياتية التي تشبعت بها التشكيلية إخلاص الأسود وآثرت على فرشاتها أن تختزلها بين الحين و الآخر في لوحاتها العديدة.
